عندما يذكر اسم ديكارت أو الديكارتية نتخيل فوراً تلك الصورة الشائعة المنتشرة في كل مكان والتي تقول بأن الديكارتية هي فلسفة الدقة والمعيار الصائب والحسابات العقلانية الباردة. فالفرنسي ديكارتي بهذا المعنى. وكذلك الأوروبي بشكل عام. وهناك عقل ديكارتي مثلما هناك عقلية ديكارتية. ولا ريب في أن ذلك صحيح إلى حد كبير.
ولكننا ننسى أن مؤسس العقلانية الديكارتية لم يكن «عقلانياً» إلى هذه الدرجة التي نتوهمها، بل إنه مرّ بلحظات أقل ما يقال فيها أنها تقف خارج حدود العقل والتوازن المنطقي الصارم، وذلك قبل أن يتاح له تأسيس مذهبه الفكري ويضرب ضربته الفلسفية الكبرى.
والواقع أن حياته الشخصية نفسها لم تكن تخلو من الغرابة والشذوذ عن عموم البشر. فمن المعروف أن ديكارت الذي ولد في فرنسا عام 1596 لم يعش فيها إلا لفترات قليلة ومتقطعة. ويبدو أنه كان يزورها أحياناً كما يفعل السائح المتجول.
وهو يقول بالحرف الواحد: «عندما يغيب المرء عن بلاده فترة طويلة من الزمن يعود إليها كسائح غريب». ولم يكن هناك أي سبب شخصي يدعوه لمغادرة وطنه. فهو قد ولد في عائلة غنية، ووسط اجتماعي راقٍ.
ولم يكن يعاني من أي شيء يدفعه لمغادرة البلاد. ومع ذلك غادرها ويعد إليها إلا نادراً وذلك لكي يحل بعض الأمور العائلية أو لكي يلتقي ببعض العلماء والأصدقاء في باريس. هكذا نجد أن مؤسس العقل العلمي الحديث ومفخرة فرنسا والفرنسيين عاش أكثر من ثلثي حياته خارج فرنسا!
وهو بمعنى من المعاني هولندي، أكثر مما هو فرنسي بعد ان اختار هولندا وطناً. والواقع أن هولندا كانت أكثر حرية من فرنسا في ذلك الوقت. وكان المفكرون منذ زمن ديكارت يقصدونها لكي يفكروا بحرية وينشروا فيها مؤلفاتهم تماما كما يفعل بعض العرب مع بيروت.
لكن هناك سبباً آخر لابتعاد ديكارت. إنه حب الوحدة والعزلة بشكل لم يسبق له مثيل. فهذا الرجل المقبل على الحياة والناس كان أكثر ما يخشاه هو تطفل الناس على وحدته و حياته الشخصية، وكان يعتبر ذلك بمثابة الاعتداء عليه..
ويروي كاتب سيرته الذاتية، بهذا الصدد، الحكاية التالية: «عندما كان لا يزال في باريس قبل اختيار المنفى تجمع حواليه أهل الأدب والفن من كل حدب وصوب.. وراحوا يطالبونه بالإمساك بالقلم بعد أن ظهرت عليه علامات النبوغ والعبقرية.
وكانوا يقصدونه كل يوم ويتحلقون حوله الساعات الطوال فلا يدعونه يتنفس أو يستريح. وعندئذ قرر تغيير مسكنه دون إخبار أحد. فاستأجر بيتاً في أعماق منطقة السان جيرمان، وأحاطه بالصمت والكتمان.
وقال لخادمه: ممنوع منعاً باتاً أن يعرف أحد بمكان سكني. فأنا أريد التوحّد والاعتزال. وفي يوم من الأيام كان الخادم سائراً في الشارع فرآه صديق ديكارت الحميم وسأله بكل شوق ولهفة عنه، وبعد إلحاح شديد، وأخذ ورد، انصاع الخادم لرغبته وأخبره بمكان سكنه.
فقال له: سوف نذهب فوراً إليه لكي نرى ماذا يفعل. وعندما وصلا إلى البيت خففا من وقع خطواتهما لكيلا يحس بهما فيجفل. ودخلا الشقة بكل هدوء ثم توجه الصديق نحو غرفة نوم ديكارت وراح ينظر إليه من ثقب الباب فرأى منظراً عجباً.
رأى ديكارت مضطجعاً في فراشه وهو يغمض عينيه كالمتناوم لفترة من الزمن. ثم فجأة يقفز من السرير لكي يجلس وراء طاولته ويسجل بعض الأشياء على الورق. ثم يعود إلى الفراش ويتخذ نفس الوضع السابق فيغمض عينيه من جديد وينتظر حتى تتجمع الأفكار في رأسه ويعتصرها كما يعتصر الماء من بين الغمام، ثم يقفز ثانية إلى خلف طاولته ويصب على الورق عصارة فكره. وهكذا يتكرر الأمر مرات ومرات حتى يستنفد كل ما عنده...
وبعدئذ يخرج ويلبس ثيابه. وفي تلك اللحظة تنحنح صديقه ودق على الباب موهماً ديكارت أنه قد وصل للتو ولم ير شيئاً...
وبعد أن سافر ديكارت إلى بلاد الشمال شعر بسعادة مطلقة لأن أحداً لا يعرفه في الشارع أو في السوق. ولا أحد ينتبه اليه او إلى وجوده. وبالتالي فهو على عكس المثقفين العرب الذين اذا لم يطبل لهم الناس ويزمرون كل يوم لا يستطيعون العيش.. كان يشعر بحرية لا متناهية لأنه يتجول على كيفه دون ان يعرف أحد من هو بالضبط. وهذا كل ما يبتغيه.
وقد كتب من هناك رسالة إلى صديقه المخلص الأب ميرسين يطلب منه فيها أن يوصل له بريده العلمي باستمرار، وأن يكتب له بانتظام، ولكن ألا ينتظر منه أي جواب لفترة من الزمن. قال له بما معناه: لقد انخرطت في عمل مجهد لا يتيح لي أي راحة أو استجمام. ولذلك أرجو أن تسمح لي بألا أكتب إليك طيلة شهور عديدة.
وإني أعدك أنه إذا ما حصل لي أي شيء مما يحصل للبشر فإنك ستكون أول العارفين إما بواسطتي وإما بواسطة الآخرين. ولكن طيلة الفترة التي ستنقطع فيها أخباري عنك أرجوك أن تكون مطمئناً، وأن تعتقد بأني حي، صحيح الجسم، وأني أتفلسف...
وهنا ينبغي أن نطرح هذا السؤال: ما سر كل هذا البحث المهووس عن الوحدة والعزلة لدى ديكارت؟ لم يكفه أن يغير عنوان بيته في باريس، وإنما غير وطنه كلياً وذهب إلى هولندا ! لم يكفه أن يخرج من عائلته وبيته، وإنما خرج من كل وطنه وأبناء جنسه !
في الواقع إن ديكارت كان يعرف أنه مقبل على أمر عظيم. وكان يعرف أنه مضطر لنسف كل علاقاته السابقة من أجل تحقيقه «فالبناء الجديد لا يمكن أن ينهض إلا على أنقاض البيت القديم» كما يقول هو حرفياً في «مقال في المنهج».
كان يعرف أن عليه أن يتحرر من كل الروابط السابقة لكي يستطيع أن يؤسس للغرب كله عقله الحر الجديد. بل إنه كان مضطراً للتحرر حتى من نفسه أو من أفكاره القديمة كما يقول هو شخصياً في إحدى تأملاته الرائعة: «والآن بعد أن أصبحت نفسي متحررة من كل القيود، وبعد أن وفَّرتُ لنفسي كل راحة وعزلة هادئة، فإني رحت أنصرف جدياً لمهمتي الأساسية: تدمير كل أفكاري السابقة دون هوادة»...
يضاف إلى ذلك انه كان يعرف انه ملاحق بل ومهدد بالتصفية الجسدية من قبل الأصوليين المسيحيين اذا ما انكشف أمره قبل الأوان. ولذلك كان يتخذ الكثير من الاحتياطات خشية ان يقتلوه قبل ان يضع فلسفته ويدشن الثورة الفكرية للعصور الحديثة.
هكذا راح ديكارت يقترب شيئاً فشيئاً من نقطة الحسم. ففي عام 1619 يغادر هولندا للقيام بجولاته الشخصية في ألمانيا بحثاً عن نفسه، وعن الحقيقة. وقد حاصره الشتاء في منطقة «أولم» بألمانيا، وكانت تلك الليلة الشهيرة للعاشر من نوفمبر ، حيث دخل في غرفة مدفَّأة جيداً، وانقطع كلياً عن العالم الخارجي، وعاش ليلته الليلاء.
فبحسب روايات المؤرخين فإن ديكارت رأى في منامه ثلاثة أحلام مرعبة خلخلت عقله وهزَّته هزاً. فاستفاق مرعوباً وراح يشك في نفسه ووجوده. بل وصل به الأمر إلى حد الإمساك بيده والقول: وهذه اليد أليست لي؟
وهذه النار، أليست أمامي؟ هل أنا موجود أم غير موجود؟ من أنا في هذا العالم الهائج المائج؟ عندئذ راح ديكارت يرتجف كريشة في مهب الرياح. وشعر وكأنه يخبط خبط عشواء في ظلام دامس، وأنه مهدد بالسقوط في كل خطوة يخطوها.
وكانت العملية خطرة جداً إذ يتوقف عليها ليس فقط مصيره الشخصي وانما مصير الغرب أيضا طيلة القرون المقبلة. وعرف عندئذٍ تلك اللحظة الأساسية التي لا يعرفها إلا عظام المفكرين أو حتى الأنبياء: لحظة المنعطف التاريخي الذي يفصل ما كان ـ عما سيكون...
ولولا رباطة جأشه وثبات قدمه لضاع ديكارت وانزلق في مهاوي الشكوك والعدمية التي لا تؤدي إلى أي نتيجة كما حصل لمفكرين عديدين. فهو قد غامر بعيداً في شكوكه وانقلابه على كل ما ترسخ سابقاً، ووصلت به المخاطرة إلى أقصى حد ممكن: أي إلى الحد الرقيق الفاصل بين منطقة العقل ومنطقة الجنون.
ولكنه استطاع أخيراً أن يصل إلى بر الأمان ونعمة اليقين، بعد أن خاض أهوال الشكوك ومشقات الطريق. وكان ان نتجت عن كل ذلك الفلسفة الديكارتية الكبرى: أي المنهج العقلاني الذي أدى بالغرب إلى السيطرة على الطبيعة واكتشاف قوانينها عن طريق العلم والتكنولوجيا.
كاتب سوري ــ باريس