أحيانا يكون شر البلية ما يضحك، لكن هذه النكتة لا تضحك بقدر ما تثير الشفقة للصورة المهلهلة المليئة بالتناقض والباعثة على الاستنكار حينا وعلى الاستغراب أحيانا بسبب المشاهد والكلمات والحركات اللامعقولة واللامشروعة واللامقبولة التي يطلع بها علينا الممثلون السياسيون لمسرح اللامعقول الفرانكو أميركي في لبنان !
قالوا: ضاق رئيس إحدى البلديات الفرنسية بكتابة المتظاهرين المهمشين لبعض الشعارات على بعض الجدران المنددة بسياسة الرئيس الفرنسي «ساركوزي» في الضواحي الباريسية المشتعلة بالغضب ضد سياسة التمييز والظلم الاجتماعي وسوء الإدارة.
خصوصا تجاه ذوي الأصول الإفريقية والعربية والإسلامية من المستعمرات السابقة الفرنسية، فاستعان بخبرة حليفه الأكثر تجربة رئيس إحدى البلديات الأميركية الذي ضاق بالمتظاهرين الذين كتبوا بعض الشعارات على بعض الحوائط ضد احتلال العراق وفشل المغامرات السياسية والعسكرية الأميركية في الشرق، فأمر عمال البلدية بعدم ترك أي فراغ على الحوائط للمتظاهرين دون أن يملؤه بعبارة «ممنوع الكتابة على الحائط.. وإلا».
وبمتابعة المواقف والتحركات والتصريحات الأميركية والفرنسية المتناقضة مع نفسها، وخصوصا بالدعوة إلى عدم التدخل الخارجي في الأزمة السياسية اللبنانية إلى حد النكتة السخيفة والتي لم تعد تضحك أحدا.. تذكرت هذه النكتة التي تعكس الذكاء النادر الأميركي وحليفه الجديد الفرنسي الذي مازال بحاجة لاستيعاب مزيد من الخبرة في مواجهة المزيد من الفشل من التجارب الأميركية السابقة.
فقد بلغت التدخلات والتحركات والتصريحات الأميركية والفرنسية ذات الوكالة الحصرية في لبنان حدا من السفور بفقدان الاتساق مع شعارات الاستقلال والسيادة والديمقراطية، وحدا من الفجور بفقدان الاتزان لخيبة الأمل وسقوط مراهناتها، إلى درجة التهديدات بصورة لا تبعث على الحيرة ولا على الضحك بقدر ما تبعث على الاستغراب والاستهجان.
والرثاء لحال بعض الدول العظمى التي أصبحت سياساتها رهينة للسياسات الصهيونية، ورضيت بوظيفة خدمة أجندتها العدوانية التوسعية مجانا على حساب مبادئ ومصالح شعوبها، ففقدت بفقر رؤيتها وانحياز سياستها وخداع كلمتها جل مصداقيتها لدى شعوبها وشعوب العالم العربي والإسلامي، وتكاد أن تفقد ما بقي لها من عظمة التقدم العلمي والحضاري بتبديد رصيدها وتشويه صورتها بجنايتها على أبسط القواعد السياسية والأخلاقية الدولية.
فبعد فشل الحرب العدوانية الأميركية الإسرائيلية ضد لبنان في تحقيق أي من أهدافها لفرض الاستسلام على المقاومة الوطنية، أو التبعية على الرئاسة اللبنانية، وبعد سقوط المراهنات بعد هذه الحرب، وبعد فشل جولات الوزيرة «كوندوليزا» الثماني لإشعال الفتنة اللبنانية ـ اللبنانية.
وتصعيد التوترات اللبنانية السورية،لاستمرار السيطرة الإسرائيلية على الجولان السورية والمزارع اللبنانية، ولصالح الأجندة الصهيونية المعادية لكل من لبنان وسوريا، تطوعت الرئاسة الفرنسية الجديدة التي لا تخفي ميولها الصهيونية وتفاخر بصداقتها «للدولة اليهودية» بالتخلي عن المبادئ الاستقلالية الديجولية إزاء القضايا الدولية.
وارتمت في أحضان الإدارة الأميركية الحليف الاستراتيجي الأشهر والأعور «للدولة اليهودية» ضد الحقوق الفلسطينية والعربية المسيحية والإسلامية في فلسطين والجولان السورية والمزارع اللبنانية رغم أنف كل القرارات الدولية وتجاهلا لمبادرة السلام العربية!
وبدأت السياسة الفرنسية الجديدة التي تعتبر نفسها الأولى بالوصاية على مستعمراتها السابقة من الإدارة الأميركية التي تمارس تهميشا لنفوذها في منطقة النفوذ الوحيدة الباقية لها في الشرق بعد غروب شمس الاستعمار القديم، تتمايز بشيء من الخبرة الاستعمارية والتجربة الأوروبية الأقدم حضارة في محاولتها العودة للساحة اللبنانية، وذلك بالدخول لحل الأزمة من المدخل الصحيح من الباب السوري.
وذلك بمبادرة فرنسية اقترح بنودها الوزير السوري «المعلم» ووافق عليها الوزير الفرنسي «كوشنير» في لقائهما في «اسطنبول» ثم «دمشق»، تلاه اجتماع رايس والمعلم، وبدأت الأجواء صالحة للحل على أساس «التوافق اللبناني» بالحوار بين الموالاة والمعارضة لحل الأزمة الرئاسية.
وتخلى قوى السلطة عن الحلول غير المنطقية بالإصرار على الاستئثار واختيار رئيس من 14 آذار وعلى أساس النصف +1 الكارثي وغير الدستوري مقابل مبادرة «بري» التصالحية بتخلي المعارضة عن مطلب تشكيل حكومة الوحدة الوطنية قبل الانتخابات الرئاسية، وبمبادرة «عون» التوافقية..
فما الذي قلب المواقف الفرنسية والأميركية أخيرا؟!