منذ أيام فشلت المفاوضات الروسية- الأميركية حول ملف الدرع الصاروخية الأميركية في التوصل إلى أى نتائج ترضي موسكو، وقد أعلن سيرغي كيسلاك نائب وزير الخارجية الروسي أن موسكو غير راضية عن نتائج اللقاء مع مسؤولين دبلوماسيين أميركيين الذي عقد في بودابست عاصمة المجر.
وكشف الدبلوماسي الروسي عن أن واشنطن مازالت تتمسك بخطة نشر صواريخ اعتراضية في الأراضي البولندية ورادار في الأراضي التشيكية باعتبار أنها ستشكل مظلة لحماية الولايات المتحدة وأوروبا من مخاطر هجوم إيراني محتمل بالصواريخ . ويأتي هذا بعد أن كشفت تقارير المخابرات الأميركية عن أن إيران قد أوقفت كافة برامج تطوير الصواريخ الاستراتيجية لديها منذ خريف 2003.
واعتبرت موسكو أن إصرار البيت البيض على تنفيذ خطة الدرع الصاروخية بعد هذه التطورات يعني أن أهدافه الحقيقية هي تهديد أمن روسيا.
وجاء رد الفعل الروسي الرسمي الأول من رئيس هيئة الأركان الروسية،الذى أعرب عن قناعته بأن خطة الدرع الصاروخية تهدد امن روسيا، وأن هيئة الأركان ستتخذ الإجراءات الجوابية المناسبة لتعطيل مخاطر هذا المشروع.أكد الجنرال يوري بالويفسكي رئيس هيئة أركان الجيش الروسي على خطورة النظام الصاروخي الأميركي المزمع إنشاؤه في شرق أوروبا بنصب صواريخ اعتراضية في الأراضي البولندية ونصب رادار في الأراضي التشيكية.
ولم يستبعد أن يطلق الأميركيون صواريخهم نحو روسيا بدعوى أنهم يطلقون صواريخ اعتراضية بقصد تدمير صواريخ مهاجمة انطلقت من إيران.. وتساءل حول نوعية الصواريخ الأميركية التي قد يتم انطلاقها من الأراضي البولندية هل ستكون بالفعل اعتراضية وليست هجومية ؟
ولم يستبعد بالويفسكى أن تقوم روسيا بالردّ بإطلاق صواريخ مجهزة برؤوس نووية تجاه منشآت أميركية. يرى رئيس أركان الجيش الروسي أن الولايات المتحدة لا تستبعد احتمال وضع نفسها في مواجهة مع روسيا.
ولعلنا نتذكر أنه لم يمض أكثر من أسابيع قليلة على زيارة رئيس أركان الجيش الروسي للولايات المتحدة، التي تم خلالها توقيع تعاون عسكري بين البلدين تضمن جدول لقاءات وزيارات للمسؤولين العسكريين الروس والأميركان لعام 2008.
وكان مسؤولون أميركيون قد وعدوا بأن تسمح الولايات المتحدة للعسكريين الروس بتفقد منشآت منظومتها الدفاعية المضادة للصواريخ في الأراضي التشيكية والبولندية بشكل دوري. إلا أن الجانب الروسي لم يجد في المقترحات التى قدمتها واشنطن اي اثر لهذه الوعود، ما دفع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف للأعراب عن استياء بلاده من تراجع الولايات المتحدة عن وعودها.
ولعل التساؤل الذى طرحه الجنرال ليونيد إيفاشوف رئيس أكاديمية الدراسات الجيوسياسية يعتبر اكثر أهمية من سياسة أو تصريحات رد الفعل التى تمارسها الخارجية الروسية وهيئة الأركان منذ فترة طويلة، وهذا السؤال يطالب بموقف محدد ..
هل تعارض روسيا إقامة النظام الصاروخي الأميركي قرب حدودها أم تقبل بشروط ، منها أن يكون هذا النظام تحت مراقبة القوات الروسية؟ ولم تقدم وزارة الدفاع الروسية أي رد محدد على تساؤلات الجنرال ايفاشوف الذى كان يشغل منصب رئيس قسم العلاقات الدولية في الوزارة لسنوات طويلة.
واكتفت بالحديث عن أنها لا ترى ضرورة تستدعي نشر الدرع الصاروخية الأميركية، بل وأكد النائب الأول لقائد القوات الفضائية الجنرال الكسندر ياكوشين على أن روسيا ستتعاون مع الولايات المتحدة لمواجهة أي مخاطر هجمات صاروخية بشرط أن تتخلى واشنطن عن مشروع نشر الدرع الصاروخية في شرق أوروبا.
بعبارة أخرى جاءت تصريحات الجنرال ياكوشين لتصب الماء البارد على التصريحات الساخنة التي أدلى بها رئيس هيئة الأركان والذى وصل لمرحلة التهديد برد على نشر الدرع الصاروخية الأميركية، واعتبر أن قرار واشنطن يعني المواجهة بين روسيا و الولايات المتحدة.
أن هذه التصريحات التى سبقتها تصريحات العديد من المسؤولين عقب تجمد مشاركة روسيا في معاهدة تقليص الأسلحة التقليدية في أوروبا، والتى تضمنت تأكيدات بأن روسيا لا تنوي في الوقت الراهن نشر الأسلحة التقليدية في مناطقها الحدودية.
دفعت العديد من الدائرة الغربية للاعتقاد بأن المواقف الروسية ليست أكثر من تهديدات كلامية لن تقدم أو تؤخر،وان موسكو لن تدخل في مواجهات ضد خطط الغرب في التوسع شرق وفرض حصار على روسيا.
ومما لاشك فيه أن المرحلة المعاصرة لم تعد مرحلة المواجهات العسكرية، وهو ما أثبتته تجارب الولايات المتحدة الفاشلة في أفغانستان والعراق،إلا أن الأسلوب الحديث للمواجهة بدأ يأخذ أشكالا جديدة ومتنوعة، بدءا من أساليب الحصار السياسي مرورا باستخدام الأدوات الاقتصادية.
ان الساسة الروس لابد أن يكتسبوا الثقة في عدالة مطالبهم استنادا إلى واقع روسيا الحالي، والذي يتمثل في انتقالها من مرحلة التفكك والانهيار والضياع التي عاشتها خلال التسعينيات من القرن الماضي، وبدلا من تباين تصريحاتهم التي تعكس قلق البعض من المواجهة، لابد وأن يدرك الجميع أن بناء العالم متعدد الأقطاب لا يمكن أن يتم ببساطة، بدون صراعات وصدامات وخسائر.
ان مرحلة المواجهة هى السبيل لردع سياسات بعض الأطراف الغربية التي تمنح نفسها حقوقا اكبر من حجمها على الساحة الدولية.
فلم يعد من المقبول أن تفرض واشنطن شروطها على كافة الأطراف الدولية، وتنتزع مصالحها بصرف النظر عن مصالح الآخرين.
ان جهود الولايات المتحدة في تدمير العلاقات الروسية- الأوروبية بدأت في لقاءات الاتحاد الأوروبي مع روسيا، عندما رفض حلفاؤها المخلصون (بولندا) تجديد اتفاقية التعاون الاستراتيجية.
واستمر هذا النهج في لقاء مجلس الناتو- روسيا، الذي انعقد مؤخرا في بروكسل، ثم توجته الخارجية الأميركية في المحادثات الأخيرة التي أجرتها واشنطن مع موسكو حول الدرع الصاروخية،والتي طرح فيها الأميركيون مواقف مناقضة لما طرحه جيتس ورايس في لقاءاتهما بالعاصمة الروسية مع نظيريهما الروسيين.
وتتجاهل واشنطن في هذا السياق أن وضع روسيا قد اختلف مقارنة بمرحلة حكم الرئيس يلتسين،ولم تعد روسيا تبحث عن بضعة ملايين لحل أزماتها الاقتصادية، وقد لا تكون في موقع فرض إرادتها كقوة عظمى،إلا انها أصبحت بالتأكيد طرفا دوليا لا يمكن تجاهل مصالحه كما تحاول واشنطن.
مركز دراسات الطاقة ــ روسيا