مجموعة من ثلاثة أو أربعة من شباب اليهود يعجبهم موقع منزل لأسرة فلسطينية في الخليل أو نابلس أو أي مدينة فلسطينية أخرى، يقتحمون المنزل، وتحت تهديد السلاح الأبيض أو الناري يطردون الأسرة، يتقدم رب الأسرة ببلاغ إلى الشرطة الإسرائيلية، الشرطة الإسرائيلية تتجاهل البلاغ، يرفع رب الأسرة دعوى إلى المحكمة الإسرائيلية، المحكمة تحكم لصالح الفلسطيني فتأمر برد منزله إليه، والشرطة الإسرائيلية تواصل التجاهل رافضة ضمناً تنفيذ أمر المحكمة، بمرور الزمن، يصير المنزل ملكاً لأسرة يهودية.

مثل هذه الحادثة ـ وهي حقيقية ـ تتكرر على نحو أسبوعي أو شهري كيفما يتفق. هذا هو ما تطلق عليه الحكومة الإسرائيلية «الاستيطان العشوائي»، وبينما من الناحية النظرية يعتبر هذا النوع من الاستيطان غير شرعي من منظور القانون الإسرائيلي إلا أن السلطات الإسرائيلية تستنبط له عند نهاية المطاف غطاءً قانونياً.

وإذا أضفنا إلى هذا الاستيطان «غير الرسمي» التوسع الاستيطاني الرسمي الذي يتواصل من خلال خطط إسكانية تنفذ بموجب مناقصات معلنة.. وأيضاً المزيد من التوسع الناتج عن عملية بناء الجدار الفاصل الذي يشق أرض الضفة الغربية من الشمال إلى الجنوب، فإن المرء ليتساءل: ماذا سيبقى من الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد حين من الدهر ليكون موضع تفاوض بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية لإقامة «الدولة الفلسطينية» المستقبلية.

العملية التفاوضية الأخيرة تم الاتفاق عليها في مؤتمر «دولي» دعت إليه وأشرفت عليه الولايات المتحدة. لكن قبل أسبوع واحد فقط من حلول موعد التفاوض أعلنت السلطات الإسرائيلية مناقصة استيطانية لتوسيع حي في القدس الشرقية. وبعد أقل من أسبوع من بدء العملية التفاوضية أعلن وزير الإسكان الإسرائيلي عن خطط لبناء حي استيطاني جديد في القدس الشرقية أيضاً.

وقد أصبح السيناريو محفوظاً مع استمرار تكراره:

إسرائيل تعلن عن خطة استيطانية جديدة، والسلطة الفلسطينية «تشجب» الخطوة الإسرائيلية.. ثم تسكت، والإدارة الأميركية تطلب «إيضاحات» من إسرائيل، وتتجاهل إسرائيل الطلب الأميركي.. وتكف واشنطن عن مواصلة التساؤل.

الخطة الاستيطانية الإسرائيلية الأخيرة أعلنت قبل يومين.. وعلى الفور قال صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين إن هذه الخطوة «باتت تشكل تهديداً لبدء مسارات مفاوضات الوضع النهائي», وقال: «إسرائيل تحاول فرض حقائق من خلال الاستيطان في الضفة الغربية والقدس بعيداً عن المفاوضات وتريد بذلك استباق نتائج المفاوضات قبل بدئها».

لو كان عريقات مجرد محلل صحافي لا يمثل إلا نفسه لاستحق مكافأة على هذا الاستخلاص الذكي لكنه رجل دولة يمثل حكومة ويفاوض نيابة عنها. لذا نتساءل: إذا كانت قيادة السلطة الفلسطينية قد توصلت إلى قناعة بأن إسرائيل لا تريد سوى «استباق نتائج المفاوضات قبل بدئها» فلماذا تواصل السلطة الفلسطينية المشاركة في العملية التفاوضية؟

إسرائيل تمارس مسلكاً إجرامياً بحق الأراضي الفلسطينية.. وتريد للعملية التفاوضية أن تكون غطاء شرعياً لجرائمها، وإذا كانت السلطة الفلسطينية تدرك أن إسرائيل تحاول «فرض حقائق» من خلال الاستيطان.. فما هي فائدة العملية التفاوضية؟