من المؤكد ان انعقاد مؤتمر المانحين للدولة الفلسطينية هذا الاسبوع في العاصمة الفرنسية باريس، هو في حد ذاته امر طيب، خاصة وان نحو سبعين دولة من مختلف مناطق العالم، وعشرين منظمة اقليمية ودولية قد شاركت فيه.

صحيح ان الفلسطينيين في حاجة ماسة الى كل دعم مادي ومعنوي كذلك، خاصة بعد ان تعمدت اسرائيل تدمير الاقتصاد الفلسطيني، سواء في قطاع غزة او في الضفة الغربية المحتلتين، بشكل منظم وبما يحول دون امكانية اعادة بنائه مرة اخرى بسهولة.

ولكن الصحيح ايضا ان الفلسطينيين يحتاجون بالتأكيد الى ما هو اهم من الاموال والدعم المعنوي بكل اشكاله. انهم يحتاجون الى وقوف العالم معهم واعترافه بحقوقهم والعمل الجاد لمساعدتهم على استرداد اراضيهم المحتلة ووضع حد للاستعمار والاستيطان الاسرائيلي للاراضي التي احتلتها اسرائيل منذ عام 1967 والتي تسعى الى تهويدها وطمس هويتها بكل السبل الممكنة.

قد يقول قائل ان مؤتمر انابوليس للسلام في الشرق الاوسط قد اتاح فرصة لاستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين حول قضايا الوضع النهائي، وهي مسألة لم تكن متاحة قبل مؤتمر انابوليس، ولكن الواقع الذي تجسده وتعبر عنه الاحداث والتطورات على الارض يشير بوضوح الى حقيقة ان اسرائيل تتعمد عرقلة كل ما يمكن ان يصب في تحقيق اية تسوية سلمية عادلة تسمح بإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

امام هذا الواقع المرير، وامام اعلان اسرائيل عن استئناف عمليات الاستيطان مرة اخرى، ومع استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة والتدهور المتواصل لكل جوانب الحياة هناك، فإنه من المؤكد ان الاعلان عن مزيد من المنح والمساعدات للفلسطينيين لن تكون كافية ابدا.

واذا كانت كثير من الدول والمنظمات والهيئات المشاركة في المؤتمر قد اظهرت بالفعل مواقف ايجابية ورغبة صادقة في مد يد العون للشعب الفلسطيني المنكوب منذ اكثر من ستين عاما بالاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي لاراضيه، الا انه لا ينبغي الوقوف او التوقف عند هذا الجانب الذي يتعامل مع الاحتياجات الحياتية اليومية للشعب الفلسطيني.

ان ما يحتاجه الشعب الفلسطيني الان، واكثر من اي وقت مضى، هو ممارسة اقصى ضغط ممكن على اسرائيل ليس فقط لوقف عمليات الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة على الفور، وفي منطقة القدس الشرقية بشكل خاص، ولكن ايضا حملها على ان تكون اكثر جدية واكثر التزاما للوفاء بتعهداتها وفقا لقواعد القانون الدولي والاتفاقات والتعهدات التي التزمت بها على امتداد السنوات الماضية وآخرها في انابوليس.

ومن هنا كانت دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس وتأكيده على ضرورة وقف الاستيطان في الاراضي الفلسطينية وفك الحصار الظالم عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة المحتل.

جدير بالذكر ان العمل من اجل اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والسعي الى انشاء بنيتها الاساسية واعادة اعمار ما خربته اسرائيل على امتداد السنوات الماضية، يحتاج بالضرورة الى موقف اسرائيلي مؤيد لقيام هذه الدولة ومدرك الى ضرورتها للتوصل الى السلام في المنطقة، وهذا هو ما لم تقترب منه اسرائيل بشكل حقيقي حتى الآن على الاقل بغض النظر عن اية تصريحات او مواقف خادعة.

ومع ان اسرائيل وحكومة اولمرت يمكن ان تعمد الى القاء الكرة في الملعب الفلسطيني عبر التعلل بالموقف بين حماس وفتح والانقسام بين الضفة وغزة، الا ان المشكلة الجوهرية هي الاحتلال الاسرائيلي والاستيطان. ونهاية الاحتلال والانسحاب من الاراضي الفلسطينية هو المفتاح الضروري والخطوة الاساسية للسلام والاستقرار في الاراضي المحتلة والمنطقة ككل.