الرئيس الاميركي جورج بوش الذي يستعد للقيام بجولة في المنطقة العربية مطلع العام المقبل، شن يوم امس هجوما مباغتا على سورية ورئيسها بشار الاسد، تضمن اتهامات على درجة كبيرة من الخطورة، من بينها دعم المقاومة في العراق، الامر الذي يطرح العديد من الاسئلة حول دوافع هذا الهجوم والخطوات اللاحقة التي يمكن ان تتبعه.

توقيت هذا الهجوم ملفت، فهو يأتي قبل يومين من الانعقاد المقرر لمجلس النواب اللبناني (البرلمان) لانتخاب رئيس جديد، وهو الانعقاد الذي يعتقد الكثير من المحللين بانه ربما يكون الفرصة الاخيرة، والحد الفاصل بين حال الجمود الحالية، والحرب الاهلية التي لا يستبعدها الكثيرون في ظل الاستقطاب الحالي، ولجوء بعض الميليشيات الى استيراد مكثف للاسلحة والعتاد الحربي.

فعندما تتصدي جبهة الموالاة بزعامة السيد سعد الحريري للسيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري وترد على تصريحات ادلى بها حول عدم ضغط بلاده على المعارضة، واتهامه لجماعة الرابع عشر من آذار بمحاولة الاستئثار بالسلطة، بان زمن الوصاية والتسلط السوري قد ولى الى غير رجعة، ويطالب احد ابرز منظريها السيد مروان حمادة الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية على سورية، فان هذا يعني ان هناك خطة جرى اعدادها تستهدف سورية بشكل او بآخر.

فهذا الهجوم الشرس على سورية جاء متشجعا بتصريحات الرئيس بوش التي قال فيها ان صبره على سورية ورئيسها نفد منذ وقت طويل وتصريحات اخرى لنيكولا ساركوزي تصب في المحصلة نفسها، وتركز على التدخلات السورية المعرقلة لانتخاب رئيس للبنان.

الرسالة الاميركية ـ الفرنسية واضحة تماما، تهدد مفرداتها سورية والمعارضة اللبنانية بايام صعبة اذا فشلت جلسة مجلس النواب يوم غد في انتخاب مرشح التوافق العماد ميشيل سليمان رئيسا للبنان خلفا للعماد اميل لحود.

انه ضغط اميركي ـ فرنسي مكثف، يدفع باتجاه كسر شوكة المعارضة اللبنانية، واجبار سورية على التراجع ورفع راية الاستسلام، والقبول بكل مطالب السيد الحريري والتحالف الذي يتزعمه، والا فإن عليها، اي سورية، ان تواجه عقوبات اقتصادية او ما هو اكثر من ذلك.

الرئيس بوش يتحرش بسورية، ويريد استفزاز قيادتها وافتعال معركة معها، لتبرير اي خطوة عدائية تتخذها ادارته في المستقبل القريب، ولعل هذا الاستفزاز يأتي مقدمة لجر ايران الى مواجهة، لان الرئيس الاميركي لم يتخل فيما يبدو، عن مخططاته لضرب ايران رغم تقرير اجهزة الاستخبارات الاميركية الذي برأها من الانخراط في اي برنامج عسكري نووي.

فاتهامات الرئيس بوش لسورية، خاصة تلك المتعلقة بدعم المقاومة العراقية، وتسهيل دخول المتطوعين الى العراق عبر الحدود السورية، اتهامات ملفقة لا تستند الى اي دليل. فجميع التقارير الاميركية الرسمية اشارت الى توقف تدفق هؤلاء المتطوعين بسبب الاجراءات السورية المشددة، وهوشيار زيباري وزير خارجية العراق اعلن في مؤتمرات صحافية عديدة هذه الحقيقة.

وحتي القول بان سورية تدعم حماس لا يستند على اي رجلين، فلم تضبط اسرائيل قطعة سلاح سورية واحدة في طريقها الى حركة حماس في الارض المحتلة، اما استضافة السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ورفاقه في دمشق، فهذا هو اقل ما يمكن ان تقدمه دولة عربية لاشقاء لها تقطعت بهم السبل ولا يجدون دولة تستضيفهم بشكل دائم.

الحكومة السورية ابدت كل نية ممكنة للتعاون مع الادارة الاميركية، وعرضت نفسها لانتقادات عديدة بسبب ذلك، خاصة مشاركتها في مؤتمر انابوليس للسلام الذي دعا الى عقده الرئيس بوش، رغم ان الدعوة التي ارسلت اليها كانت متأخرة جدا، واثر ضغوط عربية، وبطريقة استفزازية لدفع سورية الى رفضها.

سورية تتدخل فعلا في الشأن اللبناني الداخلي، ولكن السؤال هو من لا يتدخل في هذا الشأن، فاميركا لم تكتف بتدخلات سفيرها جيفري فلتمان، وبعثت مساعد وزير خارجيتها المستر ديفيد وولش، والشيء نفسه فعلته فرنسا. اما التدخلات السعودية فلم تتوقف مطلقا، وبات السفير السعودي السيد عبد العزيز خوجة لاعبا اساسيا في الصراع اللبناني ـ اللبناني.

التوافق هو الحل الامثل للخروج من الازمة، لكن شريطة ان لا يكون على اساس غالب او مغلوب. والمطالبة السورية بحكومة وحدة وطنية تتمثل فيها جميع الطوائف حسب وزنها، وتعديل قانون الانتخاب استعدادا لانتخابات برلمانية جديدة مطالبة مقبولة.

ومن غير المنطقي ان يلتزم رئيس الجمهورية الجديد باختيار مسبق لرئيس الوزراء، وقائد الجيش، وقائد الامن، وتوزيع الحقائب السيادية كشرط لانتخابه.فاذا كان زمن الهيمنة والتسلط السوري على لبنان ولى الى غير رجعة، فهذا لا يعني ان يبدأ زمن الهيمنتين الاميركية والفرنسية، واحتكار الحكم من قبل الدائرين في فلكهما.