ظل موضوع (الاستجابة والتحدي) اللذين صاغهما "توينبي" يُحدث ضجة بين شعوب لديها القدرة على تجاوز تخلفها بردات فعل إيجابية، وأخرى مستسلمة، مستكينة، وهنا جاءت التصنيفات للمجتمعات قسرية وغير عادلة ولا منطقية، إذا ما أخذنا الموروث الحضاري لكل أمة بإسهاماته التاريخية في النسيج الحضاري الكوني.
فالرومان، واليونان كانوا يضعون أنفسهم في قائمة الشعوب ذات الحضارة، ومن منطق القوة والغزو تعددت الجرائم العرقية، والأخلاقية، وقد ورثت أوروبا هذا التطور بأن انفجرت الفاشية والنازية من رحم ذكريات الحضارات الأولى بما فيها تصنيف الأمم وفق سلالم عرقية جعلت السموّ والتطور مربوطين بشعوب الغرب وحده متناسين أن سلسلة التطورات في التاريخ البشري لم تكن آرية، ولا سوداء ولا نصف آسيوية أوروبية، أو لاتينية أميركية..
اليابان أخذت نفس السلوك، تعالت على محيطها ووضعت نفسها في مواجهة معه، ومع أوروبا التي استعمرت أجزاء من آسيا لتقع في فخ حروب انتصرت في بعضها، وتدمرت بسبب أخرى لتعلن استسلامها الأبدي من تلك النزعة الفوقية والعنصرية بعد الحرب الكونية الأخيرة..
هنا تثار مواضيع الصراعات، وكيف انتصرت أمم على غيرها، واستيقظت أخرى من سباتها لتلحق بركب الحضارة الحديث، وأكثر من يمثل ظاهرة التطور الشعوب الآسيوية الصفراء التي استطاعت أن تفجر أسرع نهضة في التاريخ الحديث، مدفوعة بأنظمة صارمةٍ وحب للعمل، وعلاقة مصير بين الإنسان ووطنه، وبمقارنة بسيطة بين الجاليات الصينية، وشعوب ماليزيا، وتايلاند، وأندونيسيا وغيرها، نجد أنها الوحيدة التي هيمنت على مفاتيح الاقتصاد والمعرفة، وقادت تلك الشعوب إلى تحديات أجبرتها على التنافس الداخلي لتشكل معماراً خاصاً جعل الخليط الأثني والقومي وسيلة بناء أكثر تماسكاً من دول العرق الواحد والثقافة الواحدة، وهذا يسجَّل لعمق تاريخ تلك الشعوب وتسامحها وقابليتها للتحدي والاستجابة وفق نمطها وسلوكها..
نحن في المنطقة العربية قدنا العالم الإسلامي في مراحله المختلفة، ولأن السيطرة فاقت الجغرافيا الأساسية، فإن القادة الأوائل الذين أنشأوا الدول والإمارات وفق عقيدة متطورة والتقاء تام بين القبائل التي حررت نفسها من طبيعتها الخشنة إلى الترف الحضاري لفارس والروم، ثم اتساع الدولة الذي فرض شروطه على الدولة المركزية العادلة لكنها أورثت الدويلات التي تخاصمت ثم تشرذمت من خلال ترف الأجيال الأخيرة والتي على يدها دُمرت تلك الامبراطورية العظمى بما امتلكته من تطور وتسامح وخلق بذور حركة التاريخ العلمي الحديث..
الآن ونحن ننوح على الماضي، لم نتقارب مع عصرنا الحديث، بل عشنا حكومات طوائف وجمهوريات موز، لتتفوق المراثي على الأفراح، وننسى أننا خيرُ أمة أخرجت للناس..
