انفراج الأزمة السياسية الحادة بين شريكي السلطة في السودان ـ حزب «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية» الجنوبية لم يكن غير متوقع، فقيادتا التنظيمين تدركان انه ليس من مصلحة أي منهما تصعيد الأزمة إلى مستوى فض الشراكة السلطوية بما يؤدي تلقائيا إلى نسف اتفاق نيفاشا للسلام. فالاتفاق الذي أقيمت بموجبه هذه الشراكة ضمن لكل منهما مكاسب سلطوية لم يكن ليحصلا عليها عن طريق منافسة انتخابية ديمقراطية مفتوحة لكافة الأحزاب والقوى السياسية.

المتحدثون باسم كل من الطرفين أكدوا أنهما توصلا إلى حلول توافقية لكافة نقاط الخلاف التي أثارتها أصلا قيادة «الحركة» الجنوبية عدا المعضلة الخاصة بمصير تبعية منطقة «أبيي» الواقعة على خط (التماس) الحدود بين الشمال والجنوب، ومع ذلك فان الاتفاق على تأجيل النظر في قضية أبيي لم يمنع القيادة الجنوبية من الموافقة على عودة وزراء «الحركة» في الحكومة المركزية إلى أعمالهم.

القضايا التي جرى توافق عليها ترتبط عضويا ببعضها البعض، وهي ترسيم الحدود الجغرافية بين الشمال والجنوب وسحب الوحدات العسكرية التابعة للقوات المسلحة القومية من مناطق الانتاج النفطي الواقعة داخل الجنوب أو على الحدود وإجراء تعداد سكاني قومي وإجراء الانتخابات العامة في عام 2009.

فالصورة النهائية لعملية ترسيم الحدود ستقرر تبعية الحقول النفطية، لكن في هذه الأثناء والى ان تنتهي عملية الترسيم فان الطرفين توصلا لاتفاق بأن تقوم على حراسة المواقع النفطية الحدودية وحدات عسكرية مشتركة من الجيش القومي وقوات «الحركة».

إجراء التعداد السكاني القومي مرتهن أيضا إلى نتيجة ترسيم الحدود، لأن الهدف الأساسي من عملية التعداد هو معرفة كم يبلغ سكان الجنوب وكم يبلغ سكان الشمال. وإذن فالمطلوب أولا هو تحديد الخط الحدودي الذي يفصل بين الشمال والجنوب، وكذلك الانتخابات العامة، فتوزيع الدوائر الانتخابية يعتمد على البيانات السكانية النهائية.

مع هذا كله فانه لا قيادة المؤتمر الوطني ولا قيادة الحركة أعلنت أي تفاصيل عن ما توصلا إليه من حلول للقضايا المعروضة مما يجعل من الصعب إصدار حكم نهائي بشأن التوافق وما إذا كان سيصمد.

لقد بلغت الأزمة ذروة خطيرة عندما قرر رئيس الحركة الجنوبية سالفاكير ميارديت وهو أيضا النائب الأول لرئيس الجمهورية عمر البشير ـ سحب وزرائه من الحكومة المركزية. وصعدت إلى ذروة أخطر عندما شخص ميارديت إلى واشنطن ليستعدي الولايات المتحدة على غريمه الشمالي.

وبعد ان اجتمع ميارديت مع الرئيس بوش أعلن في مؤتمر صحافي انه «فقد الثقة» نهائيا بالرئيس البشير، لكن بدا ان إدارة بوش غير راغبة في التدخل كطرف ثالث متحيز للجانب الجنوبي.

فقد اكتفت الإدارة بإرسال وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس للتحدث إلى الطرفين المتخاصمين كوسيط محايد. ويبدو ان الطرف الشمالي قد فطن إلى عدم حماسة واشنطن فقرر عدم المشاركة في اجتماع «المصالحة» الذي عقدته رايس في أديس أبابا.

لقد أدركت إدارة بوش ما لم يستطع ان يدركه الزعيم الجنوبي قائد «الحركة الشعبية».. وهو أن انحياز واشنطن للطرف الجنوبي سيؤدي إلى تصعيد خطير ينتهي إلى نسف اتفاق نيفاشا، وبالتالي خسرانا مبينا للحركة ـ جنبا إلى جنب مع خسران المؤتمر الوطني، فالاتفاق الذي أفرزته عملية تفاوضية صعبة يعطي الحركة الجنوبية مكاسب سلطوية لم تكن حتى لتحلم بها.