كان المنظر «فريدا» في لشبونة، عاصمة البرتغال، يوم 13 ديسمبر الجاري. قادة بلدان الاتحاد الأوروبي الــ27 ـ باستثناء رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون الذي ناب عنه وزير خارجيته دافيد ميليباند ـ وبيد كل منهم قلم حبر فضي وهم يستعدون لتوقيع الاتفاقية الأوروبية «المبسّطة».
هكذا طويت صفحة في تاريخ مسيرة التوحيد الأوروبي وانفتحت صفحة جديدة. كان لا بد من الخروج من «المأزق الدستوري» الذي كان الفرنسيون وبعدهم مباشرة الهولنديون قد وضعوها فيه عندما قالوا «لا» في استفتاء شعبي عام 2005 لمشروع الاتفاقية الدستورية ـ الدستور الأوروبي. كان الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان قد ترأس لجنة صياغته.
المطلوب الآن من الدول ال27، الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التصديق على الاتفاقية «الجديدة» قبل حلول شهر يونيو من عام 2009، وذلك بالطريق البرلماني مع استثناء واحد يخص ايرلندة حيث يفرض الدستور إجراء استفتاء شعبي.
الاتفاقية الجديدة «المبسّطة»، ومهما كانت الآراء حولها، مؤيدة أو ناقدة، أعطت الإحساس أنها أخرجت أوروبا الموحّدة من الطريق المسدود كي تعطيها فرصة التقدم بعد فترة من «المراوحة في المكان» هذا إذا لم يكن التقهقر والانكفاء.
لا يختلف اثنان أن سعي القارة الأوروبية «القديمة» من أجل توحيد مسيرتها يشكل سابقة تثير الإعجاب بعد فترة طويلة من الحروب القاتلة استمرت دوريا على مدى أكثر من 150 سنة، وكان من بينها حربان كونيتان.
ولا شك أن هذا الماضي «الحربي» الطويل نسبيا لم يكن بعيدا عن تنامي نزعة «نضالية» داخل أوروبا لوضع حد للحروب ولدمارها. وقد كانت فرنسا وألمانيا منذ البداية، هما المحرك الرئيسي الذي دفع نحو نهج المصالحة والتوحيد بعد أن خاضتا غمار الحرب بكل ما جرّته من قتل واحتلال.
كانت الخطوة الأولى في مسيرة التوحيد الأوروبي الراهنة هي معاهدة روما التي وقعتها ست دول أوروبية عام 1957. ويومها جرى الحديث عن تلك المعاهدة وكأنها الإعلان عن ولادة أمة أوروبية جديدة.
لكن سرعان ما جرى إدراك أن كل بلد من بلدان القارّة له تاريخه وخصوصياته وأنه لا يمكن بناء أوروبا الموحّدة على اساس الإيديولوجيات، وإنما لا بد من البدء بمسائل الاقتصاد وإقامة منطقة تبادل حر. هكذا قامت المجموعة الاقتصادية الأوروبية. التوحيد إذن، عبر الاقتصاد. ثم كانت «مغامرة» توسيع إطار «البناء الأوروبي» من 6 دول إلى 27.
مع ذلك، ورغم سلسلة «الإنجازات» وصولا إلى تبنّي عملة أوروبية موحدة من قبل العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فإن مسيرة التوحيد بدت وكأنها من صنع الساسة ودون الاهتمام كثيرا برأي الشعوب، وعلى الأقل دون القيام بأي شرح كاف عما هو مشترك بين الأوروبيين «غير العملة».
ضمن مثل هذا السياق جاء الرفض الشعبي الفرنسي وبعده الهولندي على مشروع الدستور الأوروبي عام 2005 والأمر الذي لا يمكن فهمه إلا بوجود مناخ لا يرى في أوروبا مستقبلا «ضامنا» لمستقبل شعوبها.
فهل وضعت الاتفاقية «المبسطة» الموقعة قبل أيام في لشبونة قطار التوحيد الأوروبي على السكة الصحيحة؟ وهل حررته حقيقة من كوابحه؟
لا يمكن إغفال أن اتفاقية «لشبونة» قد جعلت النقاشات الدستورية التي استهلكت الوقت والطاقات «وراءها» وفتحت منظور إمكانية التحرك والفعل. منظور الفعل على الأقل إن لم يكن الفعل نفسه، ولو في أفق عام 2014.
حيث سيسري مفعول بعض الإجراءات التي نصّت عليها هذه الاتفاقية، وتحديدا فيما يخص تبنّي قرارات المجلس الأوروبي إذا وافقت عليها نسبة 55 بالمائة من الدول الأعضاء إذا كان عدد سكان هذه الدول يبلغ 65 بالمائة من مجموع سكان الاتحاد.
لا يمكن إغفال هذا وغيره. ولكن اتفاقية «لشبونة» تثير بنفس الوقت العديد من إشارات الاستفهام حول مستقبل مسيرة التوحيد الأوروبي وأيضا حول مفاهيم أساسية ليس أقلها شأنا مصداقية الممارسة الديمقراطية.
كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي هو «العرّاب» المعلن للاتفاقية «المبسطة» التي جرى تبنيها في لشبونة. ولكن الشعب الفرنسي كان هو الذي قال «لا» للاتفاقية الدستورية الأولى بأغلبيته. وبالتالي يبدو انتهاج أي طريق «معاكس» بمثابة عدم احترام لما اختاره الشعب «ديمقراطيا».
وإذا كانت الديمقراطية تعني بالتعريف، «المبسّط» أيضا، احترام الإرادة الشعبية فإن الواقع يشير إلى وجود «ارستقراطية» تقرر باسم الجميع وراء فكرة الديمقراطية نفسها. الساسة هم الذين يمارسون «المهمة الديمقراطية» لكن مثل هذا السلوك لا بد منه إلا أنه يزيد من سعة الهوّة بين أصحاب القرار والمواطنين.
ثم ومهما يكن من أمر معاهدة لشبونة ومن محتواها الدستوري فإن الإحساس السائد اليوم لدى شرائح واسعة من الرأي العام الأوروبي هو أن عملية توسيع الإطار الأوروبي قد جرت بسرعة غير مدروسة جيدا. ولا يبدو بوضوح كيف يمكن لأوروبا اليوم التي تسير بـ «سرعات متفاوتة» أن تشكل قطبا دوليا صوته «من رأسه» ومستقل، لاسيما في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية.
بالاختصار لا بد من القول إنه إذا كانت أوروبا معطلة اليوم فإن العيب ليس في المؤسسات فحسب وإنما في نقص وضوح المشروع المستقبلي في أذهان مواطنيها أنفسهم. والأخطر من هذا إذا كان هناك نقص في الإرادة.
يبقى السؤال الجوهري هو ماذا يريد الأوروبيون أن يفعلوا بأوروبا؟
لا شيء مضمون حتى مع قيام ولايات متحدة أوروبية، كما ينادي البعض. فالولايات المتحدة الأميركية نفسها عرفت حربا انفصالية استمرّت أربع سنوات مع عشرات الآلاف من القتلى وجروح لا تزال آثارها قائمة حتى الآن. هذا دون الحديث عن مثال «الأمة العربية الواحدة» في الشعارات والمفككة في الواقع.
كاتب سوري