مجرد ذكر اسم زعيم سوفييتي، مثل ستالين، أو بريجنيف يدعو للشعور بالرهبة. وربما الرعب والخوف في أي مجلس يجمع عدة أشخاص، خلال الحقبة السوفييتية التي عاشتها جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وأكبرها روسيا.
أما صورة الرئيس فكانت تحاط بهالة من التقديس والتبجيل. وتعامل في أي مكان توجد به. كأن الزعيم نفسه موجود. وبرغم انتهاء العهد السوفييتي، وتمتع الروس بالديمقراطية والحرية. لم يجرؤ أحد منهم على مجرد الحلم به في الماضي، حيث إن سكان إحدى المدن الروسية بجنوب روسيا. يبدو أنهم لم يتخلصوا بعد من داء تقديس الرئيس. سواء كان ذلك رعبا أم حبا.
فقد علم السكان، أن السلطات المحلية للمدينة تخطط لبناء حي سكني كامتداد للمدينة، وبدأ العمال بالفعل في تقطيع أشجار غابة جميلة. تحيط بالمدينة. وشرعت الآليات في حفر الأراضي. تمهيدا لإقامة كتل خراسانية قبيحة، ولما فشلت كل محاولاتهم ونداءاتهم لوقف المذبحة.
اهتدوا إلي حيلة سوفييتية قديمة ويبدو أنها أفلحت، فقد قام السكان بتعليق صورة كبيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين على كل شجرة في الغابة، وبالفعل توقفت المناشير وهدأت الآليات في انتظار التعليمات.
إن عمدة المدينة، يؤيد بوتين على طول الخط، والسكان يعلمون انه لن يجرؤ على لمس صورة الرئيس المعلقة على الأشجار، والعمال يقطعون فقط، الأغصان التي لا تحمل صورة بوتين. ولا يقتربون من الجذع الذي لصقت عليه الصورة، وشكل سكان المدينة، دوريات تجوب الغابة للتأكد من أن صورة زعيمهم المحبوب بحق هذه المرة. وأشجارهم سليمة ولم تمس.
عزز عمل بوتين في هيئة الاستخبارات الخارجية، استقلالية التفكير لديه. حيث جعله يجمع المعلومات ويقوم بتحليلها، ومن ثم اتخاذ القرارات على أساس ذلك، وكذلك احترام شركائه.
وعمل مع أشخاص تعاونوا مع الاستخبارات السوفييتية، رغم شعورهم بالخطر أكثر منه، حيث قال في هذا الصدد «هذا وحده جعلني أقف موقف الاحترام تجاه هؤلاء الناس. ويبدو لي أنهم أحسوا بهذا الموقف. وقد تشكلت لدي علاقات طيبة مع الأشخاص الذين عملت معهم».
يريد بوتين الذي قاد عملية تغيير عميقة في روسيا أن يبرهن وهو على أبواب مغادرة الكرملين في العام القادم أن الدب نهض من صحوته، وأن الإصلاحات التي جرت إبان عهده تعطي الحق لروسيا أن تكون الصوت المسموع في الساحة الدولية.
وأن عهد تفرد واشنطن، في الإمساك بدفة قيادة العالم دون حسيب، أو رقيب قد انتهى. وأنه آن الأوان لتقف روسيا على قدم المساواة مع الدول الصناعية الأخرى. وقد بدأت إرهاصات هذه المرحلة بالفعل منذ عام 2006 عندما استضافت أول قمة لمجموعة الثماني على أراضيها في سان بطرسبورغ.
إن النظام المؤسسي الذي أقامه بوتين، لا يقوم باستثمارات ذكية فحسب في مجالات البنية التحتية والمعامل العلمية وتحديث الجيش، وإنما منحت الثورة النفطية الموجودة لديه الكريملين ثقة في تبني سياسات خارجية قوية وآمنة، ساعدتها الظروف العالمية الحالية، وهي الثقة التي أثرت سلبا في مسيرة الولايات المتحدة وحولت اهتمام الصين والهند إلى أمور أخرى، حيث اتجهت الدولتان إلى تحديث البنية التحتية ورفع معدلات النمو الداخلي، ومنحت الدول المنتجة للنفط في العالم ثقلا كبيرا.
أي عرض لأسباب شعبية بوتين في روسيا الاتحادية يكون ناقصا بدون الإشارة إلى نجاحات روسيا في مجال السياسة الخارجية، وخاصة في الشرق الأوسط خلال السنوات الست الأخيرة، فقد تخلصت روسيا في عهده نهائيا من تركة الحرب الباردة المهلكة بالنسبة لها.
وأزالت عزلتها عن الغرب وأقامت علاقات شراكة مع كافة دول العالم البارزة، ورئاسة روسيا لمجموعة الثماني الكبار اعتراف واضح بسمعتها ونفوذها من قبل المجتمع الدولي، وقد أوصل روسيا إلى هذه الحال شخصيا فلاديمير بوتين أكثر القادة الروس شعبية خلال العقود الأخيرة، والذي اختارته قبل يومين صحيفة تايم الأميركية شخصية العام.
إن ما قيل أعلاه يتعلق بأسباب تقنية وبالتالي ليست مفهومة دائما بالنسبة للمراقبين والمحللين الأجانب لدعم الرئيس الروسي على نطاق واسع.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الدعم له أسباب لا تقل جدية وقوة ووضوحا، ففكرة الرفاهية الوطنية التي تقدم بها وطورها بوتين طوال فترة رئاسته اعتمدت على أساس، تم إعداده بشكل جيد. واعتبر سكان البلاد المهمات الوطنية التي طرحها بوتين في إحدى رسائله إلى البرلمان الفيدرالي هي مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي خلال عشر سنوات والتغلب على الفقر.
فلاديمير بوتين الآن يشعر بالتفوق بسبب انجازاته الاقتصادية، بحيث سددت روسيا ديونها وتحولت من البؤس إلى الازدهار، ساعدها في ذلك كثيراً ارتفاع أسعار النفط والغاز.