نعيش عصرا ذهبيا للإعلام أو الثقافة معا ومع الفارق في المهمة الرئيسية لكل منهما، ومع التكامل الوثيق بينهما، فكل منهما في عصر الاتصالات والمعلومات يكمل الآخر ويأخذ ويعطي للآخر ليصبان في النهاية في مجرى النهر الكبير نهر المعرفة والوعي، كما يصب ذلك النهر الفياض في بحر العلوم والثقافة الذي لا تحده شطآن.
ومهما بدا للمتابعين لشأن الكتاب المقروء من مؤشرات عن أزمة قراءة اعتمادا على إحصائيات اليونسكو، والتي ترى أن عدد القراء العرب أقل من عدد القراء في الغرب، وأن عدد الكتب المنشورة سنويا في العالم العربي لاتصل إلى 2000 عنوان بينما تصل في العالم الغربي إلى 85 ألف عنوان ،وأنه بينما متوسط قراءة القارئ العربي هو مالا يتجاوز الصفحة فقط في العام، فان القارئ الأوروبي يقرأ 12 كتابا والأميركي 7 كتب، وأن الإنسان المعاصر يلزمه أن يقرأ 22 كتابا في العام حتى يكون جديرا بعصره.
ومع ذلك كله فان ما جرى خصمه من رصيد القراء تحرك مع الإضافة إليه بأعداد إضافية للمصادر الجديدة للإعلام والثقافة، فإذا قل عدد قراء الصحف مثلا فان أعداد مشاهدي التلفزيون قد ازدادوا بشكل أكبر، وان قل عدد قراء الكتاب فقد ازدادت أعداد المبحرين في الانترنت وما يؤشر لتراجع القراءة العربية قد لا يعني تراجع الثقافة العربية.
كان ذلك هو ردي على سؤال في أحد البرامج الثقافية الحوارية للمذيعة عندما سألتني عن العلاقة بينهما وبين تراجع معدلات ومساحات القراءة وبالتالي الثقافة لحساب الوسائط الإعلامية الأخرى خصوصا مع دخولنا إلى ما يمكن أن نسميه عصر الصورة.
والإعلام إرسال واستقبال، مصدر للخبر أو الرأي أو المعلومة ومستقبل، والميديا بأشكالها المختلفة هي الوسيط، تتعدد وسائط الإعلام من صحيفة يومية ومجلة أسبوعية أو شهرية.
ومن إذاعات وقنوات تلفزيونية وانترنت. .مثلما تتعدد وسائط الثقافة بدءا بالكتاب الذي هو المصدر الرئيسي للثقافة بالكلمة والفكرة والمعلومة المقروءة والصورة، ومرورا بالكتاب المسموع الذي يوصل ما في الكتاب لمن لا يقدر على القراءة، وانتهاء بالكتاب الالكتروني على شبكة المعلومات العنكبوتية.
خصوصا للأجيال الجديدة الأكثر شغفا وقدرة على الإبحار في هذا الوسيط المعلوماتي الجديد.. كما تتعدد القنوات التلفزيونية و القنوات الثقافية المتخصصة التي أضافت بالصورة الحية المتحركة مصدرا إضافيا للرؤية والمعرفة، والأهم أضافت سببا جديدا للتفاعل بين المرسل والمستقبل.
وسواء فيما نتلقى من وسائل الإعلام بأشكالها المتعددة أو من مصادر الثقافة المتنوعة بما فيها المسرح والسينما والموسيقى والتشكيل، فلا ينبغي أن يظل المتلقي للخبر أو الرأي أو المعلومة من وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية دون تفاعل بناء وخلاق.
وذلك بإعادة التحقق من الخبر أو المعلومة من مصادر أخرى مقابلة ومحايدة حتى تكتمل لدينا الصورة الكاملة للأحداث، وبالتفاعل مع الرأي بالحوار مع الكاتب أو مع النفس وإبداء الرأي الناقد وهنا تتحول القراءة إلى عملية ثقافية وإعلامية ايجابية وبناءة للقارئ والكاتب معا.
وإذا كان الإعلامي مسؤولا عما يكتب أو يرسل فمسؤولية القارئ لا تقل أهمية عما يقرأ أو يسمع أو يشاهد، ومن هنا اتجهت أجهزة الإعلام إلى تعظيم الجانب التفاعلي مع القراء والمستمعين والمشاهدين، ومن هنا كانت فكرة برامج البث المباشر والتلفزيون التفاعلي، والعديد من البرامج الحوارية الجماهيرية المباشرة، التي تضع الضيف في فضاء واسع من الحرية، وفى الوقت نفسه يضع المشاهد حقا في موقع المسؤولية عما يسمع أو يشاهد دون رد أو مداخلة أو حتى سؤال.
في النهاية أيها القارئ العزيز في أمة تصدرت قرآنها الكريم سورة «اقرأ» تبقى أنت المسؤول عما تقرأ أو تسمع أو تشاهد إذا لم تبادر لتكون طرفا محاورا، فتنقل ثقافيا من موقع الاستقبال فقط إلى موقع الإرسال أيضا.