تصاعد في السنوات الأخيرة الدور السياسي للقضاة المصريين، فدخلوا في معركة ضد الحكومة من أجل أن ينالوا استقلالاً حقيقياً. وظن من لم يعرف التاريخ جيداً أن الجناح الثاني للعدالة وهم «المحامون» بعيد عن السياسة بمعناها المباشر وغير المباشر.
لكن في واقع الأمر فإن نقابة المحامين قد شاركت في خط تاريخ العدالة السياسية والقانونية أو في الانحراف عنها، أحياناً، حال انحياز بعض أعضائها إلى جانب الباطش والظالم ومغتصب الحقوق بحثاً عن فائدة مادية أو معنوية، بدءاً بإبراهيم الهلباوي، الذي دافع عن موقف المحتل الإنجليزي في حادث دنشواي، وانتهاء بأولئك الذين يدافعون في زماننا عن مغتصبي الحقوق والأموال العامة، ويتفننون في إيجاد ثغرات قانونية، يفلت منها الجناة.
فالمحامون يشكلون رقماً مهماً لا يستهان به في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، عبر الدفاع عمن ظلموا، ومناهضة مغتصبي الحقوق، ورد بعض القضاة إذا تملكهم الهوى، أو ركن ضميرهم إلى غير العدل، واستقر وجدانهم على باطل، رضوخاً لإملاءات أو طمعاً في مكاسب.
ومن يطالع الدراسة المهمة التي أعدها الدكتور أحمد فارس عبد المنعم حول «الدور السياسي لنقابة المحامين» يكتشف للوهلة الأولى أن هذه النقابة العريقة تقف على تل شامخ من تاريخ نضالي. فمنذ لحظة انطلاقها حرصت النقابة على ممارسة دور سياسي، ومن هنا طلبت من وزارة الحقانية عام 1913 أن تعرض عليها مشروعات القوانين التي تعدها لتبدي الرأي فيها.
وطالبت بتمثيلها في الجمعية التشريعية وقت إنشائها. وفي الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى وحتى صدور دستور 1923 شاركت النقابة في الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، وأن تتولى وضع الدستور جمعية تأسيسية منتخبة. وقد تبنت النقابة العديد من المواقف التي اتخذها حزب الوفد في نضاله ضد الاستعمار وتمثيله للأغلبية.
ودافعت النقابة عن الديمقراطية، فوقفت ضد حل مجلس النواب في مارس من عام 1925 وحل البرلمان في يوليه عام 1928، وإلغاء دستور 1923 في أكتوبر من عام 1930، وإعلان حالة الأحكام العرفية ابتداء من 1949. ورفضت النقابة محاولات التدخل في انتخاباتها عام 1933، وعام 1938، كما اعترضت عام 1947 على مشروع قانون طرحته حكومة إسماعيل صدقي على البرلمان خاصاً بالمحاماة.
وفي الفترة الانتقالية التي تلت قيام ثورة يوليه 1952 وانتهت عام 1956، غلب طابع المعارضة على أداء نقابة المحامين، فطالبت الجمعية العمومية للنقابة في 26 مارس 1954، بالإفراج عن المعتقلين السياسيين مهما كانت آراؤهم وعقائدهم، وإلغاء الأحكام العرفية، وإزالة آثار الإجراءات والمحاكمات الاستثنائية، وإعادة الحياة النيابية فوراً، وانتهاء مهمة مجلس قيادة الثورة، ومن ثم إيكال الأمور إلى وزارة مدنية محايدة لتشرف على الانتخابات.
وقابلت السلطة هذا بتعنت، فأقدمت على حل مجلس النقابة عام 1954، وتعطيل العمل بقانونها، وعدم الاستجابة لمطالب المحامين المهنية.
لكن موقف نقابة المحامين قد تبدل خلال فترة حكم عبد الناصر، إذ ساندت السلطة في كافة ما ذهبت إليه من سياسة داخلية وخارجية، فوقفت إلى جانب التنظيم الواحد، بعد أن كانت تميل إلى التعددية وتنادي بحياة نيابية، وتبنت الأيديولوجيا التي اعتنقها النظام، وهي «الاشتراكية»، والتزمت الصمت حيال «مذبحة القضاء» عام 1969.
وإلغاء مجلس القضاء الأعلى وحل مجلس إدارة نادي القضاة، باستثناء معارضة نقيب المحامين أحمد الخواجة لمذبحة القضاء. وبالنسبة للسياسة الخارجية أيدت النقابة قرار الوحدة مع سوريا، وإرسال الجيش المصري إلى اليمن.
وقد كانت النقابة تعمل في إطار القيود التي فرضتها السلطة، والتي حملها قانون المحاماة رقم 96 لسنة 1957، حيث نص على حظر اشتغال الجمعية العمومية ومجلس نقابة المحامين بالسياسة والأمور الدينية. وإذا كان القانون رقم 61 لسنة 1968 قد خلا من هذا النص، فإنه جعل نشاط النقابة برمته يجري في إطار الاتحاد الاشتراكي العربي.
فضلاً عن ذلك تدخلت السلطة في انتخابات النقابة بصفة مستمرة، وفرضت على مجلسها الحصول على عضوية التنظيم السياسي الواحد (الاتحاد القومي ـ الاتحاد الاشتراكي العربي).
وعادت الأمور إلى نصابها نسبياً خلال فترة حكم السادات 1970 ـ 1981، حيث غلب طابع المعارضة على أداء نقابة المحامين، فطالبت بأن يتضمن الدستور ما يجعل بالاتحاد الاشتراكي العربي متسعاً للرأي الآخر، ويمهد السبيل لتعددية حزبية، وإطلاق حرية الصحافة، وإقرار حق المواطنين في إصدار الصحف، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات ومنصب المدعي العام الاشتراكي والعزل السياسي، وإنهاء حالة الطوارئ.
وتصدت النقابة لمشروع قانون حماية القيم من العيب، واعترضت على فكرة القضاء الشعبي، وطالبت بإنشاء المحكمة الدستورية العليا، وإعادة مجلس القضاء الأعلى إلى الحياة. وأيد مجلس النقابة مظاهرات الطلبة في يناير 1972 ويناير 1973، والانتفاضة الشعبية العارمة في 17 و18 يناير 1977، واعترض على زيارة السادات للقدس، وإبرام معاهدة كامب ديفيد.
وقد قادت هذه الموقف السلطة السياسية في النهاية إلى اتخاذ قرار بحل مجلس النقابة المنتخب، وتعيين مجلس مؤقت، في يوليو من عام 1981، وعدم الاستجابة للعديد من المطالب النقابية للمحامين.
وخلال فترة حكم الرئيس حسني مبارك تصاعد الدور السياسي لنقابة المحامين بشكل لافت، بعد أن تمكن «الإخوان المسلمون» من السيطرة على أغلب مقاعد مجلس النقابة، وحولوا نشاطها، حالها كحال نقابات مهنية أخرى، إلى طريق يفضي به إلى أن يكون جزءاً من أداء الإخوان والحركة الإسلامية في مصر بوجه عام.
وقد بدأ هذا التوجه يتبلور بقوة منذ عام 1986، عن طريق محمد المسماري، العضو القديم في جماعة الإخوان والذي ترافع في كافة قضاياهم وطالب عام 1978 من خلال عضويته بمجلس نقابة المحامين بأن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
فالمسماري أسس لجنة الشريعة الإسلامية بمساعدة عضو مجلس النقابة آنذاك مختار نوح، وجعل من أهدافها تبني قضايا العالم الإسلامي في الداخل والخارج عن طريق عقد المؤتمرات والاهتمام بقضية حقوق الإنسان، وإصدار جريدة «الدفاع الإسلامي». وتمكن الإخوان من الفوز بخمسة عشر مقعداً من مقاعد النقابة الأربعة والعشرين في انتخابات سبتمبر 1993.
ولم ترق للحكومة سيطرة الإخوان على نقابة المحامين وتسييسها، فدفعت في اتجاه وأد نشاطها، دون أن تظهر في موضع المنتهك للقانون، ومن ثم قام ثلاثة عشر محامياً، اتهمهم كثيرون بأنهم مدفوعون من قبل الحكومة، في عام 1995 بتقديم طلب لفرض الحراسة القضائية على النقابة، والنقابات الفرعية، وقد حصلوا على حكم بذلك في عام 1996.
لكن محامين آخرين حصلوا على حكم من محكمة الاستئناف أيدته محكمة النقض بإنهاء تلك الحراسة. وجرى عقب ذلك تشكيل لجنة قضائية للإشراف على الانتخابات التي تمت في شهر فبراير من عام 2001 برئاسة رئيس محكمة استئناف القاهرة.
وقد انتهى الحال بنقابة المحامين إلى فتح صفحة جديدة من العمل المهني، وطي سنوات من استخدام النقابة كرأس حربة للتيار الإسلامي في علاقته المتوترة بالسلطة الحاكمة. فالانتخابات الأخيرة، التي جاءت بمجلس متوازن، كانت نقطة تحول لخصها النقيب الحالي سامح عاشور بقوله: «هناك اتفاق عام بين أعضاء مجلس نقابة المحامين على عدم استخدام الآليات الحزبية في إدارة شؤون النقابة لأن هذا سيؤدي إلى استعداء كل التيارات السياسية في الدولة، وبالتالي العودة إلى إغلاق النقابة مرة أخرى».
وليس معنى هذا أن الدور السياسي لنقابة المحامين قد وأد تماماً، بل إنه بات أكثر استقلالاً وهدوءاً في الوقت ذاته، عما كان عليه إبان سيطرة «الإخوان المسلمين» على النقابة.
فمجلس النقابة، بات يدرك «الخطوط الحمراء» التي عليه ألا يتعداها في علاقته بالسلطة السياسية، خاصة في القضايا الداخلية. ومن ثم ركز المحامون أكثر على النضال المهني، وهذا هو الدور الأساسي للنقابات العمالية والمهنية بوجه عام.
وذلك بالمطالبة بتحسين أحوال ممتهني المحاماة، وإلغاء القوانين التي تؤثر سلباً على عملهم بشكل خاص، وعلى الحريات السياسية بشكل عام. وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، استمرت نقابة المحامين في مناصرتها للقضايا العربية، وفي مقدمتها الفلسطينية والعراقية، وهي مواقف وأدوار من المستبعد أن تتبدل في المستقبل المنظور.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ مصر