قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة، غير الملزم، بخصوص أحكام الإعدام في العالم؛ نقلة نوعية من حيث المبدأ في اهتمامات المجموعة الدولية، فالدعوة إلى حماية وصون الحياة البشرية، هي دعوة إنسانية نبيلة. حق الحياة هو العمود الفقري لناموس حقوق الإنسان، من هنا القيمة التي يكتسبها القرار والتي بها يتجوهر أكثر، دور الأمم المتحدة.
لكن للموضوع جوانب أخرى، تاريخية وقانونية وايضا انسانية مشروعة كما ان الامور بالاولويات خاصة بالنسبة للمنظمة الدولية؛ المزدحمة أجندتها بالبنود والمهمات الملحّة والموزعة في غير مكان فوق الساحة الدولية.
القرار الذي صدر بتأييد 104 دول ومعارضة 54، مع امتناع 29 عن التصويت؛ يتمنّى على كل الدول تجميد تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن محاكمها؛ كخطوة تمهيدية لإلغاء هذه العقوبة نهائياً، وإزالتها من القوانين الجزائية المختلفة المعمول بها، كما ناشد الدول التي سبق أن ألغت هذه العقوبة ـ 133 دولة، حسب منظمة العفو الدولية، في حين لا تزال 64 تعتمدها ـ، «عدم اعتمادها مجدداً».
الحيثية الجوهرية للمشروع، الذي تقدمت به إيطاليا وحظي برعاية 87 دولة، تقوم على اعتبار أن عقوبة الإعدام «تمسّ الكرامة الإنسانية» ويعزز الدعوة إلى التخلي عنها أنه «لا توجد أدلة» تؤكد أن لهذه العقوبة تأثيرا رادعا؛ حسب ما جاء في التسويغ، الأمين العام للأمم المتحدة أشاد بعملية التصويت، باعتبارها «خطوة شجاعة للمجتمع الدولي»، وأن الدعم الذي حظيت به دليل على وجود ميل نحو إلغاء هذه العقوبة، ودول عديدة كبرى مثل الولايات المتحدة والصين واليابان.
وكذلك دول إسلامية، وقفت ضد القرار، طبعاً لها هي الأخرى حيثياتها وظروفها ومنظوماتها القانونية والشرعية؛ المختلفة، كما لها خصوصياتها، وعلى هذا الأساس لابدّ من تفهّم موقفها ومقاربتها للموضوع، الخلاف يدور على الوسيلة. وهو مشروع ومفهوم، ومن هنا عدم الإلزام في القرار الذي يشكل محاولة لبلورة قواسم مشتركة وجامعة؛ في زمن يتعولم فيه كل شيء. والجدل بين المدرستين يصبّ في هذا المجرى.
قضايا العدالة والعقوبة أمور أساسية تستحق النقاش والتطوير، المفتوحين، من أجل بلوغ الأرقى والأسمى، ومن هنا إذا كان من الصحيح أن الإعدام «يمس بكرامة الإنسان».
كما جاء في القرار؛ فإن الأصح والأوْلى أن ينصب اهتمام المجتمع الدولي على ما يوازي هذه العقوبة وبالجملة، الفقر المستشري في العديد من دول العالم، الأمراض الفتاكة التي تحصد مئات الآلاف من أطفالها وأبنائها، الجوع الذي تتضوّر منه مجتمعات لا تزال تعيش حياة شبه بدائية، كلها أحكام بالإعدام، يتم تنفيذها يومياً وبما يشكل أقسى الإهانة لكرامة الإنسان، النزاعات الدولية والأهلية التي تفتك هي الأخرى بالناس من دون حساب وبمسلسلات تكاد لا تنتهي، من الحروب الجوّالة التي لا تترك غير الخراب والموت وموجات النازحين واللاجئين؛ هي أيضاً عمليات إعدام وبأبشع ما يكونه الامتهان لكرامة الإنسان.
أن يتحرك المجتمع باتجاه ما يراه تخفيفاً لما يمكن أن يشكل مساساً بكرامة الإنسان يستحق التنويه، وإن كان هناك اختلاف في المقاربة، لكن بالقدر نفسه وأكثر ينبغي مطالبة هذا المجتمع بالتصدي للأعظم والأخطر، فإذا كان الإعدام بالمفرّق لا يشكل نقطة تقاطع ينعقد حولها الإجماع والمطلوب فإن الأمم المتحدة مطالبة للتعاطي بعزم أكبر مع الإعدام بالجملة الجاري على أكثر من ساحة؛ لقطع دابره. من أجل ذلك هي وجدت أصلاً.
عقوبة الإعدام مهمة.. لكنها موضوع جدل. السلام في العالم هو الأهم ولا يجوز أن يبقى محل نقاش.
