لقد أحاط الخالق -سبحانه وتعالى- الإنسان بالحرية التي يمكنه من خلالها التمتع بحق الاختيار والممارسة لكل شئون حياته في إطار من الضوابط والمسئولية التي أودعها الله في هذا الإنسان وأرسل الرسل لتبيانها لعباده ليقيم عليهم الحجة إذا ما انتهكوا هذه الضوابط وتجاوزوا حدود هذه المسئولية باعتبار الحرية بما تنطوي عليه من قيم عالية وسامية أسمى من أن تصبح أداة من أدوات الانفلات الذي يسوق إلى الفوضى ويدفع في اتجاه إثارة القلاقل والفتن، التي تنعكس بنتائجها المدمرة على حياة المجتمعات وأمنها واستقرارها وإذا كانت الشريعة والعقيدة قد جرمتا كل فعل يفضي إلى اعتداء أي إنسان على حقوق الغير تحت أي مبرر من المبررات فإن هذا المنظور فيه ما يدعونا إلى ألا نسهو عن حقيقة أن الحرية تقوم على ركنين أو قاعدتين أساسيتين هما "الحقوق والواجبات" فإذا ما اختلت إحداهما افتقدت الأخرى لمضمونها ومشروعيتها.
وإذا ما تأملنا في مثل هذه الدلالات والمعاني سنجد أنفسنا معنيين - بشكل أساسي- باستيعاب مفهوم الحرية خاصة وأننا -في اليمن- وفي ظل النهج الديمقراطي الذي ننعم بمناخاته قد تهيأت لنا الكثير من سبل الحرية السياسية وحرية الرأي والتعبير وحرية اختيار من يحكمنا وحرية المشاركة في صنع القرار فضلاً عن الحرية الفكرية والثقافية وبالتالي فإن من المصلحة أن نحرص جميعاً على حماية هذه المكتسبات من تهوُّر البعض وكذا من نزوات ضيّقي الأفق الذين يسعون إلى خلط الأوراق والمفاهيم بغية النيل من قيم الحرية وتحويلها إلى وسيلة فوضوية رغم ما يقترفه هذا الفعل من آثام بحق تلك السمة النبيلة التي كرمنا الله بها على سائر المخلوقات.
ولعلنا لا نبتعد عن الصواب إذا ما قلنا بأنه وكلما تراجعت درجة الالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية والإنسانية ظهرت على السطح الكثير من النتوءات الناتجة عن تصرفات البعض الذين يلهثون إما وراء مصلحة ذاتية أو منفعة شخصية أو طمعاً في الوصول إلى بعض الغايات الأنانية حتى ولو كان ذلك على حساب تعطيل هذه الحرية وتلويث مبادئها بالنميمة والدسائس، والممارسات التي تنضح بالشمولية والثقافة الأحادية وبكل ما هو عقيم وسقيم.
ومن يلجأون إلى هذه التصرفات وإن كان لا يخلو منهم أي مجتمع من المجتمعات مع ذلك فلا يجب أن يعطوا الفرصة لإفساد حياة الناس خاصة إذا ما اتجهوا إلى استخدام شعارات الحرية والديمقراطية كمعاول هدم لتخريب حالة التوازن التي تتأسس على بنيانها العلاقات بين أفراد المجتمع.
ونعتقد أن من الواقعية أن يحرص الجميع على تنزيه حياتنا السياسية والإعلامية والديمقراطية من انفعالات الخطاب المأزوم وبما لا يتيح لكل من في نفسه مرض الإيقاع بنا في مهاوي الخلاف والاختلاف حول تعريفات الحرية والديمقراطية وطريقة ممارستها والتعاطي مع محدداتها ومفرداتها، وقد أثبتت التجربة أن من استبدلوا العمل بالتنظير، إنما يهدفون من خلال أطروحاتهم المنغلقة والانغلاقية الزج بنا في جدل عقيم على نحو "هل البيضة من الدجاجة، أم الدجاجة من البيضة"..
وفي كل الأحوال فإن الحرية ستظل مقترنة بالمسئولية والتفكير الخلاق المتوهج بالرؤى المتحررة من الجمود والتكلس.
