تعيش أوكرانيا في الوقت الحاضر أزمة سياسية حادة تتمحور حول الصراع على السلطة بين فريقين يبدوان وكأنهما متناحران ولكن في الحقيقة انهما متفقان إلى حد كبير على معظم القضايا ماعدا قضية واحدة وهي الانتماء للخارج، ففريق البرتقاليين الذي يتزعمه الرئيس يوشينكو وحليفته تيموشينكا يتوجه مباشرة نحو الغرب وواشنطن.

بينما الفريق الآخر الذي يتزعمه رئيس الوزراء فيكتور يانكوفيتش يتوجه نحو روسيا ومعه رجال الأعمال الأوكرانيون الذين ترتبط مصالحهم بشكل مباشر مع روسيا، والشعب الأوكراني منقسم قسمين مع الاتجاهين، والقضية الآن في البرلمان الجديد الذي انتخب مؤخرا حول اختيار رئيس الحكومة الجديد، وقد قدم الرئيس يوشنكو حليفته تيموشينكا للبرلمان للاقتراع واختيارها رئيسة للحكومة.

ولكن لم يكف صوت واحد فقط لاختيارها، أعيد التصويت في يوم آخر وبقي العجز كما هو صوت واحد فقط، وهكذا نشأت أزمة فراغ حكومي في أوكرانيا، والسلطات موزعة بين البرلمان والرئيس وكلاهما على النقيض من الآخر.

يصعب القول ان الاختيار المتعثر لرئيس الحكومة الأوكرانية سوف يضع نهاية للأزمة السياسية المتفجرة منذ نهاية عام 2004 عندما اندلعت الثورة البرتقالية المدعومة بشدة من الغرب وواشنطن، وبالرغم من أن العديد من المحللين قد بذلوا جهودا لرسم خريطة الصراع الدائر وتحديد أطراف الصراع،إلا أن آراء المحللين تضاربت وتباينت دون أن تتوصل إلى جوهر حقيقة هذا الصراع.

لقد انعكس هذا الصراع على السلطة في الداخل بشكل واضح على علاقات أوكرانيا بجارتها الأم روسيا، والتي تعتمد عليها بشكل كبير في مصادر الطاقة من الغاز والنفط، والمتابع للعلاقات الروسية ـ الأوكرانية سيجد أن أزمات الغاز بين موسكو وكييف تعود إلى التسعينات من القرن الماضي.

وكان الجانبان في نهاية كل عام يخوضان مفاوضات حادة تتوصل في النهاية إلى اتفاق يقبله الطرفان لأن كلا منهما بحاجة للآخر، فلا أوكرانيا تستطيع الاستغناء عن روسيا، ولا روسيا تقبل التفريط في أوكرانيا وتركها لواشنطن وحلف الناتو ليزرعا فيها أسلحتهما على الحدود الروسية ويغلقا منافذ المياه الدافئة في البحر الأسود أمام الأسطول الحربي الروسي.

ومنذ أكثر من سبعة أعوام اعلنت الحكومة الأوكرانية التي كانت ترأسها آنذاك تيموشينكا أنها ستقوم بعقد اتفاقيات مباشرة مع تركمانستان ودول وسط آسيا المنتجة للغاز بهدف تقليص احتياج البلاد للغاز الروسي، وهو ما لم يتم على مدار هذه السنوات السبع.

وفي اواخر عام 2000 أجرى رئيس الحكومة الأوكرانية فيكتور يوشينكو مفاوضات صعبة مع نظيره الروسي ميخائيل كاسيانوف حول اتفاقية توريد الغاز الروسي إلى أوكرانيا وأسعار مرور الغاز الذي يتم تصديره من روسيا إلى اوروبا عبر أوكرانيا!

وكانت تعاني أنابيب نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا ومخازن شركة(غاز بروم) من عمليات سطو من الجانب الأوكراني، ومع ذلك كان الطرفان دائما يتوصلان لاتفاق لتعويض الشركة الروسية عن ما فقدته!

ولابد من القول ان فيكتور يوشينكو الرئيس الحالي وفيكتور ياناكوفيتش منافسه ويوليا تيموشينكا حليفة الرئيس الحالي، إضافة إلى بافل رزارينكو رئيس الحكومة الأوكرانية في فترة 1996 ـ 1997 (الذي ألقي عليه القبض في الولايات المتحدة بتهمة نهب المال العام واغتيال حاكم البنك المركزي الأوكراني فاديم جيتمين وغسيل اموال) كانوا جميعا يشكلون فريق عمل يتحرك تحت قيادة الرئيس الأوكراني السابق ليونيد كوشما الذي كانت تحوم حوله شبهات الفساد بشكل كبير وكان يواجه معارضة حادة من مختلف قطاعات الشارع الأوكراني، وقد وجهت له اتهامات من وزارة الداخلية باستخدام سلطاته للاستيلاء على العديد من المؤسسات الصناعية عبر خصخصتها.

وقد تمكنت في بداية القرن الحالي حركة معارضة أطلقت على نفسها اسم (أوكرانيا بدون كوشما) من التواجد في كل الأقاليم، ونظمت تحركات واسعة، واضطر كوشما إلى استخدام القمع وإرهاب معارضين، وحامت الشبهات حول تورطه في قتل عدد من المعارضين، من بينهم الصحافي المعروف جورجي جونجادزي.

وكان لابد أن يغادر كوشما السلطة ليس فقط بسبب أحكام الدستور، وانما ايضا لأنه لم يعد قادرا على الإبقاء على توازن العلاقات بين روسيا والغرب، وبات من الضروري أن يتولى فريق آخر لحسم زمام الأمور. ولعل اهم ما كان يجب أن يتميز به فريق الحسم الذي سيسلمه كوشما السلطة، هو التزامه بعدم فتح ملفات هذا الرئيس الذي كان متورطا في العديد من الجرائم وفي نهب المال العام.

ووافق الطرفان يانكوفيتش ويوشينكو على إغلاق كل ملفات كوشما، واتفق كوشما مع المرشحين الاثنين، وقدم للروس يانكوفيتش كمرشح قريب لهم ومتحالف مع موسكو، وترك يوشينكو شريك لارزارينكو المقبوض عليه في الولايات المتحدة يقدم نفسه للشارع الأوكراني كبطل نظيف يريد إنقاذ البلاد من براثن روسيا التي تفرض عليه رئيس حوكم مرتين بتهمة الاعتداء المسلح والسرقة.

ولا تختلف توجهات يانكوفيتش كثيرا عن سياسات يوشينكو، فهو يدعو للتقارب مع الغرب، ولا يرى بأسا في الانضمام للناتو، إلا انه يحرص على العلاقة مع روسيا انطلاقا من أنه يمثل مصالح مجمعات صناعة الفولاذ، التي ترتبط مصالحها مع روسيا.

وتبدو الصورة واضحة، فكلا الزعيمين كانا من فريق عمل كوشما، وكلاهما تحوم الشبهات حول تورطهما في الفساد الحكومي ونهب المال العام.

وعلى هذه الخلفية يستمر الصراع بين الزعيمين على السيطرة على زمام السلطة في أوكرانيا، والذي يتفجر حينا ويهدأ في وقت لاحق، لأن كلا من الطرفين يحرص على عدم التوصل لمرحلة الصدام التي تهدد وجودهما في السلطة، وانما يديران صراعا في إطار سعي كل طرف لتحسين حصته.

وفق هذا التصور سنجد أن الأزمة الأخيرة في تعثر انتخاب رئيس الحكومة لم تكن أكثر من محاولة قام بها تكتل الأقاليم بزعامة يانكوفيتش لإزاحة تكتل تيموشينكا من مواقع القرار، وتحسين نفوذه في السلطة من جهة، ولم يكن مقدرا أن يؤدي هذا الصراع لتهديد تركيبة النظام القائم. التي تعتمد على الثالوث المعروف يوشينكو ـ يانكوفيتش ـ تيموشينكا، هذه التركيبة التي تتفق في القواعد وتختلف في التوجهات بين موسكو وواشنطن.

الرئيس الأوكراني يوشينكو الذي بدأ يتراجع نفوذه السياسي بشكل ملحوظ يعتبر أن السياسيين الذين دخلوا إلى البرلمان الأوكراني ليحتلوا مقاعدهم من باب الانتخابات التشريعية «يدعون إلى حرب جديدة» بعدما انتهت «حالة الحرب»، فيما بدا، مع انتهاء معركة الانتخابات البرلمانية.

وفي ظل هذا الصراع وتعثر البرلمان في المصادقة على رئيس الحكومة المقترح لم يستبعد الخبير السياسي الأوكراني المعروف، رئيس مجلس إدارة مركز الدراسات السياسية التطبيقية «بينتا» فلاديمير فيسينكو أن يبقى البرلمان الأوكراني الجديد بدون ائتلاف، ما سيهدد عمله.

ويرى أن الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو هو وحده يمكنه تقرير مصير هذا البرلمان، الذي سيكون عمله «معلقا» لمدة عام واحد على الأقل. ويرى فيسينكو أنه من الناحية القانونية سيكون البرلمان المستقبلي شرعيا ولكنه سيكون فاشلا من الناحية السياسية.

هذه المؤشرات تكشف عن أن الأيام القادمة لا تحمل الاستقرار لأوكرانيا، ليس فقط بسبب استمرار الصراع بين الناتو وروسيا، وإنما أيضا لأن مختلف أطراف السلطة الحاكمة تسعى لتحسين نفوذها ومواقعها في السلطة باستخدام كل الأدوات والإمكانات المتاحة.

بدءا من حشد أنصارها في شوارع العاصمة كييف، مرورا بإفشال خطط الأطراف الأخرى في تحسين الظروف الاقتصادية التي تشهدها البلاد وتعطيل مؤسساتها الدستورية، وانتهاء بالاستعانة والتنسيق مع أطراف الصراع الدولي في مواجهة بقية أطراف السلطة.

محلل سياسي أوكراني