حينما لقيته اللقاء الأول لم يكن يحمل على ظهره أكثر من خمس وسبعين سنة، لا تُثقله ولا تنوءُ به. وفي الأمس خطر لي أن أستحضره، فيممْتُ شطر المكان الذي لقيته فيه، والشجرة التي أظلتني وأظلته، ونحن نتجاذب أطراف الحديث، وحولنا ثُلَّة من الناس، رحل أكثرهم عن الدنيا.

ثم لقيته بعدما طوفت به رحلةُ العمر بين السهول والنجود، وألقت على ظهره سنين جديدة عديدة، لا ينهض بها إلاّ أولو العزم. ذكّرته فتذكّر، وراح يسألني عمن شيْعتُ إلى القبور، فأُجيبُ وبحزن، وكأنّه يتأهّب للحاق بهم.

أصيب محمد بَجَل في شبابه بالعمى، فأقسم ليذهبنَّ ماشياً على قدميه إلى البيت الحرام إذا ردَّ الله إليه بصره. سبحان الله: ما أبسط أماني البسطاء!

وقيّض الله له من عالجه وردَّ إليه بعض بصره، فأبى إلاّ أن يبرَّ بقسمه، وذهب إلى الحجاز ماشياً. رحلة امتدت إلى أكثر من عامين ظنّ أهله خلالها أنه مات! ولكنه عاد، وفي طريق عودته إلى وطنه «باكستان» قُبِضَ عليه، لأنه يسافر بلا جواز سفر. سأله من اعتقله عن شخصيته ودولته وبلدته.

فقال: إنه عبد من عباد الله، خرج من قريته «كرجات» البلوشيه، ليؤدَّي مناسك الحج، وهل يحتاج الحج إلى جواز؟ وهل هو دون الطيور التي تجتاز الدول والقارات بلا جوازات؟ إن كل مخلوقات الله تنتقل من أرض إلى أرض، لا تُسأل ولا تعتقل فعلام كل هذا التعقيد، والمسألة أبسط من أن تُرْفَع لها حدود وأسلاك، ويقوم على حراستها جُند وسلاح؟

حدث ذلك كلُّه في دبي، وفي ستينات القرن الماضي، فلّما علم حاكم دبي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ـ رحمه الله ـ أمر بإحضاره، فأحضر، وراح يصغي إلى حديثه بسمعه وقلبه، والرجل يتكلم غير هيّاب ولا متردّد، فيذكر كيف جاز الجدود في إيران إلى العراق، ومن العراق إلى السعودية، غير مكترث لحارس، ولا آبه لسلاح، كأنه يتجول في قريته الصغيرة، لأنه ما خطر له قطّ أن يُقام بين الكعبة وقصّادها حدٌّ أو سدٌ، وأن تكون وظيفة الحاكم، ردّ المحكومين عن الطاعة.

سأله الشيخ راشد عن طعامه وطبيبه، فأجاب أما الطعام فتمر وحليب، وأما الطبيب فإنسان أريب من سكان كراتشي اسمُه محمد حسن رضوي برع في الصيد براعته في الطب، وأحبَّ الحيوان كما أحب الإنسان وكان همه الأكبر أن يحمي الحياة الفطرية من عدوان البشر، فأُعجب الشيخ راشد بشجاعة هذا الإنسان المؤمن بقدرة المؤمنين على مغالبة الصعاب، وأمر له بما يكفيه، وبرسالة إلى السلطات الرسمية الباكستانية تعينه على العودة إلى وطنه.

كان محمد بَجَل وعلى منكبيه خمسة وسبعون عاماً يتسلق الجبال، ويجتاز الشعاب، ويرعى الوعول والغزلان لأنه كان مسؤولاً عن محمية ترتع فيها الظباء والجآذر، وكان رامياً بارعاً في التسديد بالبندقية. أما اليوم وبعد أن حمَّله الدهر ربع قرن آخر من أثقل الأعوام وأفدحها، وبعد أن اختطف الموت طبيبه وحبيبه، وتصيَّد الجهلُ رعيته من الظباء والآرام، فقد ركبه الغمّ والهمّ وأحزنه فراق الطبيب الذي كان يشاركه في حبِّ الحياة الفطرية وحمايتها، ولم يبق في دنياه ما يشدَّه إلى الحياة، ويغريه في التعلّق بها والحرص على امتدادها.

وها هو محمد بَجَل يستعرض شريط الذكريات، ويتألَّم لما يسوء، ويُسَّرُ بما كان يبهج ويفرح، فيبكي بلا دموع، ويضحك بلا قهقهة، ويرفع طرفه إلى السماء ويردد: اللهم عفوك ورضاك. لقد صارع الحياة فغلبها في شبابه، وغلبته في شيخوخته.

كان لقاؤنا الأول نهاية شهر أغسطس من عام 1975، وأنا يومئذ القنصل العام في كراتشي، ومن فضل الله عليَّ أن الشيخ راشد حلَّ ضيفاً على كراتشي، فلم أتردد في أن أقص عليه قصة بَجَل فتذكرها على الفور وشرع يحدث بها الحاضرين مجلسه، رحم الله الشيخ راشد ما أوسع صدره ونفعنا بأمثال بَجَل، فنحن في حياتنا المعقدة أحوجُ الناس إلى بساطته وإيمانه وزهده في كلِّ ما نتوهم أنه من اللباب وهو من القشور.

كاتب إماراتي