بالأمس كان يوم الوحدة الإسلامية الكبرى حيث توحد المسلمون بشعائرهم ومشاعرهم في يوم العيد، حين توحد الجميع في المظهر والجوهر بالقيم العظيمة للإسلام العظيم التي توحد عليها الجميع في أنحاء الدنيا بعقولهم وبقلوبهم، توحدوا في العقيدة الواحدة فوحدتهم العقيدة الواحدة، توحدوا حول كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» فوحدتهم كلمة التوحيد، توحدوا حول حب محمد الرسول وآل البيت الكريم وصحابته أجمعين، فوحدهم حب الرسول محمد على اختلاف مذاهبهم واجتهاداتهم.

هذا العيد الأكبر يأتي احتفالاً بهذا الحج الأكبر الذي يشكل أكبر مؤتمر إسلامي إنساني يوحد بين المسلمين جميعاً على اختلاف قاراتهم، وألوانهم، ومذاهبهم، ولغاتهم.. هو فرصة عظيمة للجمع بين علمائهم على اختلاف مذاهبهم، وأمرائهم على اختلاف سياساتهم، لبحث التعاون والتكافل والتضامن في حل مشكلات الأمة، وبحث ومناصرة قضايا الإسلام والمسلمين لتحقيق الحرية والكفاية والعدل.

الحرية من الاحتلال الصهيوني في فلسطين والأميركي في العراق وأفغانستان والأثيوبي في الصومال، والحرية من العبودية لغير الله من البشر ومن التبعية لغير رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات الإسلامية، بالتنمية المشتركة لتحقيق الكفاية والعدل بهدف ألا يبقى فقير ولا مظلوم بين المسلمين، طبقاً للقول الشريف «أموال الأغنياء تسع الفقراء». ولأن اجتماع العلماء مع الأمراء يمكن الأمة ويصلح شؤونها، فإن: «طائفتان من أمتي إذا صلحتا تصلح الأمة وإذا فسدتا تفسد الأمة.. العلماء والأمراء» كما علمنا نبينا الكريم.

وحينما نحيي هذا العيد ونحيا بالعيد الكبير للطاعة والولاء وللتضحية والفداء، ونستعيد بعض المشاهد سواء في رحلة الحج الأكبر أو في ما يجب أن يكون لنشر الفرحة بين الناس ورفع المعاناة عن المحرومين والمظلومين والمحتاجين في العيد الأكبر، فنحن في الواقع الحقيقي نعيد اكتشاف ذواتنا ومراجعة أنفسنا وواقعنا، لنستعيد ذواتنا ونسترجع المعنى الحقيقي للحياة العربية والإسلامية التي أساسها التحرر من العبودية لغير الله والتخلص من التبعية لغير رسول الله، في الأمة الواحدة من المحيط إلى المحيط التي تعلو رايتها بتوحيد الله في السماوات، ولا تبلغ غايتها إلا بتوحيد المسلمين على الأرض بمشاعرهم ومشاعرهم.

وحينما نستعيد مشهد أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام بينما كان لا يزال فتى صغيراً يحطم الأصنام التي كانت موضوعة في مكان الكعبة الحالية لإدراكه أنها لا يمكن أن تضر أو تنفع، فدفعت قوم إبراهيم حمية العصبية الجاهلية وأمسكوا به سائلين: من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فرد ساخراً.. اسألوا كبيرهم هذا!! فاندفعوا بحقدهم الأسود إلى إلقائه في النار العظيمة ليحرقوه انتقاماً مما فعل بآلهتهم، نتذكر ونذكر بأن الله الذي ينجي المؤمنين وينصر من ينصره، نجاه برحمته وقدرته قائلاً سبحانه: «يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم».

وحينما نتأمل ذلك المشهد المهيب لضيوف الرحمن في السعي بين جبل الصفا وجبل المروة وهم يهرلون سبعة أشواط بين الجبلين في المسعى المكيف الهواء، نستعيد مشهد سيدتنا أم إسماعيل الرضيع حين تركهما أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام في طاعة ربه، داعياً رب السموات والأرض واثقاً من استجابة رب العالمين متيقناً من رحمة الله الرحمن الرحيم «رب اجعل هذا البلد آمناً وارزق أهله من الثمرات».

نستعيد ذلك المشهد الإنساني الرهيب حين علا صراخ الطفل الرضيع إسماعيل عطشاً، فضربت الأم أعظم درس في الأمومة لكل الأمهات حين هرولت ملهوفة بين الجبلين بحثاً عن الماء في صحراء قاحلة لا ماء فيها، ففجر الله برحمته وكرمه بئر زمزم فياضاً بماء ليس ككل المياه العذبة، ليشرب الطفل ولترتوي الأم من بعد الظمأ، ثم ليبقى بئر زمزم إلى يومنا هذا معجزة السماء الخالدة، لتشرب الأمة كلها من هذا الماء المبارك على مدى القرون ولآخر الزمان، بإذن الله الرحمن الرحيم الرزاق الكريم.

كل عيد وأنتم طيبون.

mamdoh77t@hotmail.com