شكل النموذج التركي الذي مثله حزب العدالة والتنمية الإسلامي، مثالاً صارخاً على البراغماتية العالية التي بدأت تطل منذ زمن ليس بالقصير من داخل جوف تيارات الإسلام السياسي في المنطقة، وهي براغماتية استطاعت بدرجة ما أن تنسج خيوط التشابك الايجابي بين الأيديولوجي والسياسي، بعد أن كانت العشرات من أحزاب وحركات التيار الإسلامي قد تحجرت في رسم دروبها السياسية.

ولم تستطع أن تشق طريقها وسط معمعان الصراعات السياسية التي اعتملت في المنطقة بين تياري الاتجاهات القومية واليسارية الماركسية من جهة وتيارات الإسلام السياسية من جهة، وذلك منذ انهيار الخلافة العثمانية.

كما تحجرت بدورها أحزاب وحركات التيار القومي التي عجزت عن تحقيق المصالحة والمواءمة بينها وبين حركات التيار الإسلامي، وهي مصالحة بدت الآن اقرب من أي وقت مضى في ظل المساحات المشتركة التي توالدت بعد انطلاقة الحركة الإسلامية المقاومة في فلسطين ولبنان.

وفي العودة للوراء قليلاً، لم تكن حركات وأحزاب الإسلام السياسي في المنطقة العربية على درجة من النضج وحسن التجربة لتدير تحالفات متوازنة في البلدان التي أتيح لها فيها المشاركة في الانتخابات البرلمانية.

اللهم سوى الحالة السورية في سنوات الاستقلال الأولى عندما استطاع آنذاك المراقب العام الشيخ مصطفى السباعي أن يخطو خطوات معقولة في تكريس منطق التحالف الانتخابي مع أطياف أيديولوجية مختلفة في الشارع السوري، متجاوزاً حالة «التزمّت الأيديولوجي» لصالح التعايش والبراغماتية السياسية وتوسيع الفضاء السياسي أمام حركة الإسلام السياسي، إلا أن التجربة لم تلبث أن لفظت أنفاسها بعد رحيل الشيخ السباعي، وبعد قيام الوحدة السورية المصرية، وحصول القطيعة بين النظام الناصري وحركة الإخوان.

وفي الحقبة الراهنة، وبعد سنوات طويلة من انحسار حضور تيارات الإسلام السياسي تحت سقف أي من برلمانات العالم العربي بأغلبية مؤثرة، استطاعت الحركة الإسلامية في فلسطين أن تشكل الحضور الأوسع في البرلمان التشريعي الفلسطيني، فجلس ممثلو الجناح الإسلامي السياسي الفلسطيني في الموقع القيادي تحت قبة البرلمان باعتبارهم الكتلة الأولى من حيث العضوية، بعدما فازت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتصدرت الموقع القيادي الفلسطيني في الداخل بعد سنوات طويلة من القيادة المباشرة لقوى وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وتحديداً حركة فتح.

فالصعود الديمقراطي للجناح السياسي الإسلامي في فلسطين، وارتقاء حماس إلى الموقع القيادي المتنفذ، وضع حركة الإسلام السياسي العربية أمام اختبار «النجاح من عدمه» وهو بالطبع اختبار قاس، في ظل تجارب عديدة لقوى ومشارب أيديولوجية عربية مختلفة تم وأدها في مهدها.

ولم تستطع أن تنطلق قاطرتها نحو اشتقاق تجربة جديدة ومغايرة للواقع القائم، خصوصاً في الحالة الفلسطينية التي تعج بأحزاب وتيارات من مشارب مختلفة، ومؤتلفة في إطار منظمة التحرير ومؤسساتها، التي لم تخضع في يوم من الأيام لصندوق الاقتراع في تقرير تركيبة القوى داخل هيئاتها ومؤسساتها التي كانت تقوم على مبدأ المحاصصة، أو «السمك الكبير يأكل السمك الصغير»، أو «الأرض وأقمارها الصغيرة ».

لقد حققت حركة حماس بعد توصلها مع حركة «فتح» إلى اتفاق مكة الأخير، وتشكيل الحكومة الفلسطينية الائتلافية الثانية بقيادة الأستاذ إسماعيل هنية خطوة جيدة ومتقدمة على طريق تكريس منطق المصالحة والتشارك بين تيارات الحركة الوطني الفلسطينية وفي شق طريق التحولات النوعية في الخريطة السياسية الائتلافية الفلسطينية.

وسط أطروحات استباقية طالما تحدث بها أساطين التغريب عن نهج برنامج حماس بلغة الإقصاء والعزل، فكان اتفاق مكة على علاته نقطة بارزة في مسار الحركة الإسلامية في فلسطين، والتي تشكل حركة «حماس» عمادها الرئيسي، وذلك بعد الانعطافة النوعية التي تمت مع دخولها الإطار التشريعي الفلسطيني من أوسع الأبواب. ونقطة تحول سياسية بالدرجة الأولى، تعبر عن تطور موقف حركة حماس نحو المزاوجة بين الإيديولوجي والسياسي، وما زالت مفاعيله تتواصل مع الحركات الداخلية التي بدأت ملامحها تظهر من خلال المرونة التي تبديها «حماس» مع التحرك السياسي الجاري. وهي المرونة التي أوصلتها إلى قصر الكرملين في زيارتين رسميتين.

في هذا السياق، أخطأ ويخطئ تماماً من يعتقد بأن الإسلام السياسي وحركة حماس في فلسطين على وجه التحديد، ستحدث انقلاباً دراماتيكياً في برنامجها وسلوكها وتوجهاتها وفي اشتقاقاتها البرنامجية، فالتحول المطلوب في رؤية المنظومات السياسية يحتاج دوماً لعملية إنضاج لا تقوم على التحليل والمماحكة النظرية فقط، بل يحتاج إلى التحليل المنطلق من التجربة المعاشة وإرهاصاتها المتتالية.

وعليه فتجربة الفترة الماضية، استطاعت أن تفعل فعلها، وأن تدفع الإسلام السياسي في فلسطين نحو الاستدارة المعقولة، بهدف استيعاب معطيات الواقع والبناء عليها لتوسيع فضاءات العمل أمام الحركة السياسية الفلسطينية، بالرغم من حملة الضغوط الأمريكية الكبيرة والحملة الدولية التي قادتها واشنطن في حصار حكومة الوحدة الوطنية الائتلافية التي تشكلت عقب اتفاق مكة التوافقي.

ولكن، ثمة تساؤلات متواترة تطرح نفسها بكثافة حول دقة وصدقية التحليلات التي ذهبت بإمكانية اندماج قوى الإسلام السياسي في فلسطين والمنطقة بشكل عام في النظام الديمقراطي وقبولها مبدأ التعددية، نقيضاً لمنطق الإقصاء والعزل ولثيوقراطية شمولية طالما رفع البعض من التيارات ذات الأيديولوجية القومية والماركسية فزاعاتها في إثارة المخاوف والغرائز من صعود تيارات الإسلام السياسي.

كما في إثارة مناخات من الخوف المجتمعي من إنتاج نظام شمولي ظلامي يعيد المجتمعات العربية «قروناً إلى الوراء» على يد تيارات الإسلام السياسي وفق ما ذهبت إليه أدبيات التيارات القومية والماركسية.

والتساؤلات المشار إليها، تزايدت في حضورها بعد التطورات الأخيرة التي جرت في فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، حيث شكلت محنة غزة، موضعاً للتشكيك والاتهام بصدقية حركة حماس بقبول «مبدأ التشاركية الوطنية» وذلك من قبل الجناح التقليدي في الحركة الوطنية الفلسطينية ومعه بعض الأحزاب والقوى المحسوبة على اليسار وبراقع اليسار.

فقد شكلت أحداث قطاع غزة الأخيرة بشكل عام والتوابع الاهتزازية التي جرجرتها خلفها منذ يونيو الماضي، وتوالد حالة الازدواج الحكومي الفلسطيني، نكوصاً إلى الخلف في التجربة الديمقراطية الفلسطينية. كما كشفت الأحداث ذاتها عمق المأزق الفلسطيني الداخلي الناتج عن هشاشة البنية المؤسساتية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، والرغبة الدفينة لدى البعض للبقاء تحت سقف المحاصصة الفوقية المتبع فلسطينياً منذ تشكيل ائتلاف منظمة التحرير عام 1968، وإدامة تسييد نهج التقاسم السلطوي للمواقع التنفيذية.

وبكل وضوح وشفافية، إن حركة حماس تأرجحت في الاختبار النسبي، لتصبح أمام مرحلة دقيقة وحرجة، تتطلب منها توسيع دائرة «بيكار» الحوار الوطني الجاد مع كل القوى المتواجدة داخل فلسطين وفي الشتات، والتقدم بكل ندية إلى شركائها في العمل الفلسطيني وحل بعض القضايا العالقة بينها وبين بعض القوى كحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على سبيل المثال، التي تتخذ موقفاً نقدياً حازماً من السلوكيات والممارسات السياسية لسلطة أوسلو الفلسطينية.

وبالطبع فان حركة فتح مطالبة قبل غيرها بالكف عن وضع الاشتراطات المسبقة للعودة إلى طاولة الحوار الوطني، وتغليب المصلحة الوطنية الفلسطينية على أية مصالح فئوية ضيقة.

ختاماً، إن مصارحة حركة حماس في ذكراها العشرين لايعفي الآخرين من المسؤولية الكبرى والأساسية مما جرى وما يجري الآن ولا من مقدمات ما جرى، فالآخرون يتحملون المسؤولية الكبرى في وصول الحالة الفلسطينية إلى ما وصلت إليه، ويترتب عليهم أيضاً العودة فوراً لنداء العقل، وتغليب التناقض الرئيسي مع الاحتلال على أي تباينات سياسية كانت في الصف الوطني الفلسطيني الواحد.

كاتب فلسطيني ـ دمشق