خرج التنافس بين بعض أقطاب الأسرة الحاكمة في الكويت من الجدران الأربعة، وأصبح هذا التنافس حديث الناس في الديوانيات العامرة، وبات يتصدر مانشيتات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية وربما الفضائيات أيضاً.
وبعض وسائل الإعلام تلك مملوكة لأفراد من الأسرة الحاكمة الكريمة كجريدة «الشاهد» و«الوطن» اليوميتين، وأخرى يمتلكها أشخاص من مختلف المراتب الاجتماعية، بدءاً من «الارستقراطية التجارية» (جريدة القبس) إلى محدثي النعمة، أو المنتمين إلى طبقة «الانتلجنسيا» وغيرهم.
وأصبح جزءاً أساسياً من حديث هذه الصحف (التي عجت بها الكويت حتى يكاد المرء لا يدري ماذا يقرأ)، هو ذلك التنافس المحموم الذي خرج عن نطاق المألوف بين بعض أقطاب السلطة.
ولا شك أن الأسرة الحاكمة في الكويت لها دور مركزي في بنية النظام الحديث، الذي ارتضاه الكويتيون يوم أن سطروا دستورهم في العام 1962، بعد أن انتخبوا مجلساً تأسيسياً أنيطت به مهمة وضع دستور لدولة حصلت للتو على استقلالها وامتلك أبناؤها زمام أمرهم بأيديهم، وفي بلد أخذت تغمره عوائد النفط وأصبح مطمعاً للقاصي والداني.
وفي وضع إقليمي كان فيه عبدالناصر قد بسط سلطانه على الجماهير العربية من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وفي أجواء ثورة اندلعت قبل فترة قصيرة على مرمى حجر من الكويت، وهي ثورة يوليو بالعراق في العام 1958.
وقد أدرك الآباء المؤسسون ـ وهم واضعو دستور دولة الكويت الحديثة ـ تلك الحقائق ووضعوها في نظر الاعتبار، وإلى جانبها أدرك هؤلاء أيضاً حقائق الوضع السياسي الداخلي، فإذا كان ثمة بعض المتحمسين الذين كانوا يريدون تخطي الواقع بحقائقه الصلبة، فإن نفراً آخر من العقلاء كان أكثر إدراكاً لمعطيات الوضع الداخلي بحكم واقعيته ومعيشته للوضع عن كثب، فضلاً عن علاقته بأقطاب السلطة.
إذن، كان نقل الوضع من سلطة تقليدية تتمثل القيم العشائرية المتوارثة التي درج عليها الكويتيون منذ تأسيسهم لنظامهم السياسي قبل أكثر من قرنين ونصف، إلى حكم دستوري تسير فيه الأمور بموجب تشريعات وقوانين يضعها ممثلو الشعب، أقول: أدرك هؤلاء أن تلك المهمة يجب أن تكون مهمة تدريجية، الزمن سيأخذ بيدها نحو الاكتمال والتطور.
ومن أبرز تلك الحقائق الداخلية التي ظهرت إلى السطح في أول أيام وضع الدستور وفي جلساته المبكرة، موقع الأسرة الحاكمة في النظام الديمقراطي الدستوري الجديد، فتم الاتفاق وفقاً للمادة الرابعة على «أن يكون الحكم في ذرية الشيخ مبارك»، وهو مؤسس الكويت الحديثة، وقد حكم بين الأعوام 1896 ـ 1915.
وتنظيماً لموارد الدولة وفصل الشخصي منها عن العام، فقد أنشئت إدارة مالية، وتم تحديد مخصصات سنوية معينة للأسرة الحاكمة.
ولم ينس الآباء المؤسسون «دور الشعب الكويتي»، فنصت المادة السادسة على أنه «مصدر السلطات جميعاً». ولا شك أن هذا التوازن في توزيع السلطات قد أدى إلى استقرار سياسي في الكويت قل نظيره في منطقة تشكو منذ الحرب العالمية الثانية، بل ربما من قبلها، من أزمات واضطرابات سياسية متوالية.
ولعل تجربة الاحتلال التي مرت بها الكويت في العام 1990 قد عززت تلك القناعة، ففي تلك الظروف الحالكة اجتمع الكويتيون في جدة في أكتوبر من العام ذاته، ليعلنوا على الملأ تمسكهم بالأسرة الحاكمة: أسرة الصباح الكريمة، وأيضاً ليؤكدوا تمسكهم بدستور العام 1962.
ولا بد من التأكيد أن الكويت لم تنعم فقط باستقرار سياسي في أعلى هرم السلطة، بل أيضاً نعم مواطنوها بحقوق اجتماعية وسياسية يصعب قياسها بالمؤشرات الكمية. فلم تعرف ظاهرة «المعتقل السياسي» إلا نادراً.
وأصبح شعبها يفكر بصوت عالٍ، ونسي أن «الجدران لها آذان تسمع»، فالدواوين التي يرتادها الكويتيون مثلت مكاناً للحوار الحر والتلاقي للمناقشة، فضلاً عن الاستئناس. وأصبحت أعمال الوزراء والمسؤولين سواء كانوا من أفراد الشعب أو ينتمون إلى الأسرة الحاكمة، موضعاً للتقويم «الشعبي» بأسلوب راق تارة، و«بالحش» العفوي تارة أخرى.
ولم يقتصر الأمر على الدواوين، وهي ملتقيات شعبية تقليدية، بل تعدى جو الحرية ليلف نشاطات المؤسسات الشعبية المنظمة، مؤسسات المجتمع المدني، من أندية ونقابات وروابط وجمعيات وتجمعات سياسية وغيرها. فعاشت وما زالت تعيش جواً من الحرية، لا يستطيع إدراك حدوده إلا من يأتي إلى الكويت ويعايش أهلها ويتحرك في أجوائها. ومؤسسات المجتمع المدني التي يربو عددها على المئة الآن، تحوي الآلاف من المنتسبين.
ولا شك أن جو الانفتاح والحرية هذا قد فتح المجال أمام الجميع للتنافس للحصول على القوة والسلطة، كل حسب مؤهلاته وكفاءته وموقعه الاجتماعي وطموحاته. ولو ألقينا نظرة على النخبة السياسية في الكويت حالياً لوجدناها خليطاً من مكونات الشعب الكويتي الاجتماعية: ففيهم من أبناء التجار العريقين، ومن أبناء القبائل، ومن الحضر، سنة وشيعة.
كما أننا سنلاحظ بينهم الرجال والنساء. إن النخبة التي كانت تسيطر على الكويت منذ تأسيسها، وهم التجار الارستقراطيون، قد تغيرت لتحل محلها نخبة سياسية تمثل جميع شرائح وطبقات ومكونات الشعب الكويتي.
ولم يكن أبناء الأسرة الحاكمة استثناءً من هذه القاعدة، فالجو المنفتح والديمقراطي قد منحهم فرصة التنافس وتحقيق الطموح المشروع نحو امتلاك القوة والسلطة والمناصب، سواء كانت تلك المناصب حكومية، أم في المجتمع المدني كرئاسة الأندية الرياضية وغيرها.
ولا شك أن المنافسة أمر محمود، فهي التي تؤدي إلى بروز الأكفأ والأقدر والأعلم، وهي ظاهرة لا يمكن إلغاؤها من حياة البشر، وهي تكون حميدة لو ظلت في أطرها الاجتماعية المتعارف عليها، بحيث يكون هدفها تحقيق المصلحة الوطنية. أما حينما تخرج المنافسة عن مسارها الصحيح، فإن ضررها سيعم الجميع. وهذا ما نلاحظه ونتلمسه بل ونسمعه هذه الأيام، من تنافس بعض أقطاب الأسرة الحاكمة في الكويت.
وقد انعكس هذا التنافس سلباً على الحياة السياسية واستقرارها في الكويت، ولعل أبرز مظاهره الجو المتوتر الذي تعيشه منذ مدة السلطتين التشريعية والتنفيذية. إذ أصبح «التصيد في الماء العكر» سمة العمل النيابي، فما أن يقع خطأ بسيط في أي وزارة إلا ويحمّل الوزير مسؤوليته.
وكأن الوزارة ليس فيها توزيع للمسؤوليات والاختصاصات والمراكز. وأصبح التلويح بالاستجواب كلمة حق يراد بها باطل، وليت الاستجواب يقف عند التنبيه أو لفت النظر، بل أصبح سحب الثقة هو الخيار الأول عند النواب.
إن استمرار هذا الشكل من التنافس، وعدم وعي نواب مجلس الأمة بدورهم التاريخي، سيكون أول ضحاياه مؤسسة مجلس الأمة، إن لم يكن دستور 1962 برمته!!