في سياق مخاطبته «مؤتمر المانحين» طالباً 6 ,5 مليارات دولار من الدول والمؤسسات المالية الدولية المشاركة؛ حثّ رئيس السلطة الفلسطينية محمود «أبو مازن» المشاركين على التجاوب على وجه السرعة من أجل تجنب وقوع «كارثة شاملة» في الأراضي الفلسطينية.
هكذا يشير أبو مازن إلى المستقبل متجاهلاً الحاضر، فالكارثة الشاملة وقعت فعلاً منذ عدة شهور ولا تزال تتفاقم يوماً بعد يوم في قطاع غزة، وهي كارثة ليست بفعل عوامل طبيعية وإنما هي جريمة مخططة تتجسد في حصار إسرائيلي مشدد على القطاع، تشارك في تشديده دول عربية بالإضافة إلى الدول الغربية نفسها المشاركة في مؤتمر المانحين، في تواطؤ مع السلطة الفلسطينية.
الشعب الفلسطيني في قطاع غزة في حالة موت بطيء. فحتى المنظمات الخيرية العربية وغير العربية منعت من مواصلة إرسال مساعدات إنسانية صرفة ـ بما في ذلك الأغذية والأدوية ـ إلى الأسر الفلسطينية، ما هي إذن مصداقية مؤتمر يتحدث عن مساعدات للشعب الفلسطيني ذات طابع تنموي بمليارات الدولارات، بينما من يراد مساعدتهم محاصرون من كل الجهات؟ كيف نصدق أنهم سيقدمون الكثير بينما هم يعزفون عن تقديم القليل الضئيل؟.
خلال المؤتمر تبارت الدول الرأسمالية الغنية في التبرع بوعود: 550 مليون دولار من الولايات المتحدة و640 مليوناً من الاتحاد الأوروبي و300 مليون من فرنسا وحدها و150 مليوناً من اليابان.. إلخ.
إنها أرقام تصيب السامع بالدوار. ولكن هل تتحول الوعود إلى أموال حقيقية؟
رأينا هذا «الفيلم» قبل 14 عاماً في أعقاب التوقيع على اتفاق أوسلو: وعود بتبرعات تبلغ حصيلتها الجمعية مليارات الدولارات على خلفية احتفالات مهرجانية.
ثم تتبخر الوعود وكأنها لم تكن. مع استثناء واحد وهو تخصيص أموال حقيقية لتقوية الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية لتتولى عبء القمع الشرس لفصائل المقاومة الوطنية.
وهذه المرة عمدت إسرائيل إلى تحديد وجهة مؤتمر المانحين عشية انعقاده في باريس. فقد أعلن رئيس الوزراء إيهود أولمرت أن أولوية المؤتمر يجب أن تكون لأمن إسرائيل، وبما أن إسرائيل تؤيد دعم السلطة الفلسطينية مالياً، فإنه سرعان ما استدرك.
قائلاً إن المسألة الأساسية هي قدرة السلطة الفلسطينية على مواجهة المسائل الأمنية «وتفكيك المنظمات الإرهابية وضمان ألا يمارس الإرهاب ضد إسرائيل»، بكلمات أخرى لا تحصل السلطة الفلسطينية على مال إلا بقدر ما يؤهل أجهزتها الأمنية لشن حرب على فصائل المقاومة وخاصة «حماس».
في خطابه إلى المؤتمر شكا الرئيس أبو مازن «حماس» إلى هذا التجمع الدولي وكأنه يستعدي الدول المشاركة عليها، فقد قال إن «الانقلابيين» ينشرون أكاذيب بعد استيلائهم على القضاء والبلديات والمؤسسات الحكومية ولجوئهم إلى كل الوسائل «لسلب ما يمكن سلبه من أموال المواطنين».
الهدف المعلن من عقد هذا المؤتمر الدولي هو المساعدة في إرساء القواعد الاقتصادية للدولة الفلسطينية. ولكن أين هذه الدولة؟ وكيف يقوم كيانها المستقل بينها تواصل إسرائيل مصادرة المزيد تلو المزيد من الأراضي الفلسطينية للتوسع في مساحات الاستيطان اليهودي مع مواصلة بناء جدار الفصل لضم أراض فلسطينية إلى السيادة الإسرائيلية؟
وقبل ذلك: إلى متى يستمر حصار غزة وإغلاق المعابر وبقاء 550 حاجز تفتيش إسرائيلياً؟