كان المأمول والمرتجى أن تكون المنطقة في حال تحمل معها تباشير حلحلة واعدة؛ مع حلول عيد الأضحى المبارك. ساحاتها الملتهبة، أو التي تحتشد فيها عوامل التفجير، منهكة، وأزماتها تهدد بالأفظع والأسوأ، لذلك فهي بحاجة إلى فسحة لالتقاط الأنفاس.

وبالفعل حصلت تطورات وظهرت مؤشرات، عززت من احتمالات التقدم نحو الأفضل، أو على الأقل نحو بدايات كسر حدة التأزيم والانسدادات في أزمات المنطقة. لكن ما أن اقترب يوم العيد وبزغ فجره، حتى عاد التوتر والتفجير إلى سابق عهده؛ في أكثر من مكان ورجع المشهد لينذر بالمزيد من الأعاصير والهزات والمخاطر.

الآونة الأخيرة حملت بوادر انفراجات. أو ما يوحي بذلك. في السودان عاد وزراء الجنوب عن الاستقالة ورجعت المياه إلى مجاريها بين الحركة الشعبية وبين الخرطوم. على الساحة الفلسطينية راج الحديث عن إمكانية العودة إلى الحوار بين «فتح» وحماس، عشية انابوليس؛ بحيث يتعزز الموقف الفلسطيني وأوراقه التفاوضية.

كما كان هناك كلام أميركي، لبيع التفاؤل بمؤتمر الخريف؛ من خلال الإيحاء بان حظوظ التسوية قبل نهاية ولاية الرئيس بوش أقوى من أي وقت مضى. في لبنان مالت كفة الترجيح باحتمال انتخاب رئيس توافقي، في جلسة يوم الثلاثاء الماضية، وكانت الإشارات تتوالى، بأن العقبات في طريقها إلى التذليل وان المرشح العماد سليمان، بات على مسافة ساعات من كرسي الرئاسة.

كذلك الأمر في العراق، فمع ما تردد تكراراً عن هبوط ملموس في معدلات عمليات العنف والتفجير؛ بدأ الحديث يتزايد عن عودة أفواج من العراقيين إلى بلادهم، وتكلل ذلك بعودة مدينة ومحافظة البصرة إلى أيدي السلطات العراقية؛ بعد الانسحاب البريطاني منها، وسبق كل ذلك أو صاحبه صدور التقرير الاستخباراتي الأميركي حول النووي الإيراني.

وأن طهران أوقفت العمل بالشق العسكري منه، منذ عام2003، الأمر الذي ساهم في إضفاء مسحة استرخاء على المناخ العام؛ وبما يشي بأن الأزمات قد تكون في طريقها إلى إجازة تهدئة، أو إلى الدخول في مرحلة جديدة ولو انتقالية؛ يغلب عليها هبوط التوتر وإعادة صياغة السياسات والتحالفات.

لكن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر، أنابوليس مهدد بالانقلاب على وعوده، إن لم يكن مثل هذا الانقلاب قد بدأ فعلاً. إسرائيل استأنفت التوسع الاستيطاني قبل أن يجف حبر المؤتمر.

ومع أن هذا التطور الاستفزازي من شأنه الإطاحة سلفاً بمفاوضات الحل النهائي؛ إلا أن واشنطن لم تذهب في ردها إلى أبعد من العتب الخجول على حكومة أولمرت.

أيضا عاد التوتر والتراشق إلى سوابقه بين «فتح» و «حماس» وتراجعت احتمالات الحوار بينهما. وكالعادة، رفعت إسرائيل من وتيرة هجمتها العدوانية، في الضفة وغزة، التي كانت حصيلتها سقوط 13 شهيداً فلسطينياً عشية الأضحى المبارك.

الفلسطينيون يمعنون في تعميق خلافاتهم؛ وإسرائيل تغتنم الفرصة لتحصد المزيد من ضحاياهم، أما الأمل بجلسة البرلمان اللبناني لانتخاب الرئيس فقد تلاشى قبل مغيب يوم الثلاثاء، ومعه تبخر التفاؤل بإمكانية الخروج من هذا المأزق قبل نهاية العام، لا بل قبل أواسط مارس المقبل؛ حسب الدستور اللبناني.

وكان من الملفت عودة مساعد الوزيرة رايس، أمس، فجأة إلى بيروت واعتماد لهجة فجّة في خطابه. الأمر الذي أعاد طرح علامات الاستفهام والريبة حول الاستحقاق الرئاسي وجلسة يوم السبت المقبل، كما كان ملفتا وصول الوزيرة رايس المفاجئ إلى العراق.

وفي ذات اليوم الذي قام فيه الطيران التركي بعمليات مكثفة ضد حزب العمال الكردستاني، في شمال العراق ثم توغل القوات التركية بعمق عدة كيلومترات داخل الأراضي العراقية. هل هي الصدفة؟ أم أن ما بدا هنا وهناك وكأنه علامات حلحلة لم يكن في حقيقته سوى سراب خادع؟ كيفما كان الحال يبقى أن العيد الكريم مرّ على المنطقة وليس في أجوائها ما يوحي بالعيد.