العيد فرحة .. هذه حقيقة تؤكدها مشاعر الناس ولقاءاتهم وتهانيهم لبعضهم البعض ، وهم في عيد الاضحى يشاركون اخوانهم الواقفين على عرفات فرحة اعظم ، حيث يشعر الجميع انهم اكثر قربا إلى الله وأكثر حاجة للدعاء والتماس المغفرة اما فرحة الاطفال فهي ذات مذاق خاص ، وكما كنا نفرح ونحن صغار فان علينا ان نساعد اطفالنا على تذوق الفرحة ذاتها التي كانت تكتنفنا في العيد .

لكن يبقى ان العيد ايضا ينبغي ان يكون مناسبة للتفكر والتدبر ومراجعة الذات فمرور عام كامل من العيد إلى العيد ومن الوقفة إلى الوقفة لهو أمر يستدعي الشكر لله ان اعاد علينا المناسبة ونحن مازلنا احياء ندب على أديم الارض وننهل من أنعم الله .

ويستدعي ايضا ان نبادر إلى ما فسد من شؤون حياتنا فنصلحه او نزيده صلاحا على ما هو صالح . فهذه هي رسالة الاسلام المشرقة وكم من امرئ يضيق بالحياة وتضيق به الحياة إذا واجه مشكلة أو أزمة عارضة ، فيظن ان الدنيا قد أظلمت عليه ، وان الحياة قد ضاقت عليه بما رحبت ، اما الصالحون فيجدون في الايمان بالله والتسليم بقضائه مندوحة من ذلك الضيق ، فمن الناس من إذا لم يستطع استبدال سيارته بأحدث منها ، وجد في ذلك مشكلة كبيرة ، بينما غيره يجد في حصوله على قوت يومه فضلا من الله ونعمة ، وفيما بين الموقفين يكمن مغزى التسليم بإرادة الله وقدرته والرضا بقسمته ، ولننظر إلى الحاج والحاجة وقد وقفا على صعيد عرفة بأكثر الثياب تواضعا واكثر القلوب ابتهالا متجردين من عرض الدنيا الزائل، طامعين فقط برضا الله والمغفرة فما بالنا اذا رجعنا من تلك الوقفة الروحية العميقة في مغزاها ننسى مارسبته في نفوسنا هذه الشعيرة المباركة من رغبة في التواضع ولهفة على العبادة والتبتل، ولو استطاع المرء العائد من هذه الوقفة الأقرب الى الله ان يتمثل لحظاتها في كل لحظات حياته التالية لعاش المسلمون جميعا في سعة من العيش وسكينة في النفس، ويزيد من شعورنا بحاجتنا الى التفكر والتدبر في مفردات حياتنا وفي ما انعم الله علينا به من سلام اجتماعي وازدهار حضاري ما نجد أشقاءنا في الدين عليه من عنت وتوتر وانعدام أمان في بلدان ابتهلنا الى الله طويلا ان يخفف عنهم ويعيد الى بلدانهم السكينة والهدوء كي يستأنفوا حياتهم المعتادة وتحررهم من ضغوط الاحتلال البغيض الذي لم يكن لهم اي ذنب في استجلابه ومع ذلك يدفعون ثمنا باهظا من دمائهم وقوت ابنائهم وثروات بلادهم بسببه ، حتى تعطلت حركة الحياة في تلك البلدان على نحو شبه تام.

وما أجدرنا في هذا اليوم المبارك ان نكرر الدعاء والابتهال الى الله القادر على كل شيء ان يرفع عنهم الغمة ويقيهم شر الملمة ، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ولاتزال مأساة اشقائنا في تلك البلدان تترك بصماتها السلبية على مناخ السلم الاقليمي والعالمي.

وفي هذا اليوم المبارك ايضا نرفع أكف الشكر للمولى عز وجل على ما أسبغ على بلادنا من نعم ونتوجه اليه بالدعاء ان يديم على حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ نعمة الصحة والعافية وعلى كافة المواطنين والمقيمين بالخير واليمن والبركات وكل عام والجميع بخير.