كل الأيام تتوالى وتتماثل، لكن الأعياد والمناسبات الروحية لها دلالاتها وعمقها وذكرياتها عند الشعوب والأمم، والعالم الإسلامي باتساعه الجغرافي له علاقة بالزمن والتاريخ كأي عالم آخر، ولعل الأعياد التي غالباً ما تطبع هذا المجتمع الكبير بذكريات سعيدة ونقيضها، يحتفل بعيد الأضحى، وهو مثقل بالهموم، والمآسي..
فالمشهد العام يعطي صوراً للحروب والانشقاقات، والتخلف، ومضاعفات الفقر والعوز، لكن الآمال تظل أكبر من هذه السِّير الغارقة بالتشاؤم، تبعاً لتقلبات التاريخ عندما تخرج الأمم من رمادها وعذابها إلى الالتقاء بالحياة والتقدم والسلام، ولعلنا ونحن نحتفل بهذا العيد، وقرب حلول سنة هجرية وميلادية جديدتين نجد أننا نحتاج إلى مراجعات ليس فقط باتجاهاتنا السياسية، وإنما بتعميق الرؤية في أحوالنا الدينية والاجتماعية والاقتصادية، طالما ذخيرتنا من الإمكانات تمنحنا القدرة على تجاوز الظروف التي جعلتنا مجتمعات معاقة وراكدة، وغير منتجة..
فالمجابهة مع القوى الخارجية ليست سهلة عندما تلاقى ماضي الحروب والعداوات مع حاضر الإرهاب وعدم تكافؤ الحوار لنقض هذه التعقيدات ووقف سيل التجريم والاتهام الذي تصاعد بين الشعوب والأمم إلى مواجهات ليست صائبة ولا عقلانية..
فكما أن الغرب والشرق لا يلتقيان، حسب المقولة التاريخية "لكبلنج" إلا أن إيقاع الحياة المتقدمة فرض هذا اللقاء تبعاً لتصاغر الجغرافيا وتلاحم الأمم التي احتاجت إلى مسيرة ومنهج جديدين يرسمان خط التواصل لقهر كل العوائق التي فرضها التاريخ، والعالم الإسلامي الذي أسهم بالحضارة وصعود الأمم، لديه المخزون نفسه بأن يقطع حبال التراجع ويدفع بالتقدم إلى آفاقه الأرحب والأعظم..
وإذا كانت الأسئلة كثيرة ومتعددة، والخلاف حول حلولها أكثر صعوبة فإن عقارب الساعة لا تقف، لكن كيف نعقد صلحاً مع أنفسنا لنضع أولى عتبات التفاهم مع ذاتنا والآخر، وكيف نتحرر من عقدة استرجاع الماضي ليكون سلطة علينا في رسم حروبنا بعبثية ليست منطقية، وبأي التحديات نواجه خصومنا الذين يملكون طاقة الإنتاج والتنظيم وإحلال الابتكارات بديلاً عن الخصومات والحروب، ويضعون للزمن قيماً تحددها إرادة الشعوب وتحديات المستقبل؟..
نستطيع أن نحتفل بأعيادنا عندما تتقلص الأمية، وخطوط الفقر ونرى الجامعات والمدارس، ومراكز البحوث العلمية، وتحرير الإنسان من أثقال الضغوط السياسية وحالات القمع، إلى فضاء العطاء بالعمل برفع سقف الإنجازات فوق كل الاعتبارات وجعل الأهداف الوطنية فوق الفئوية والطائفية والحزبية، حتى نجد لنا صفاً في التجمعات الإنسانية التي أعطت لقيم الفرد والجماعة الأولويات القصوى في خططها وأعمالها..
كل عام وأنتم بخير، ونريد أن نرددها مع أعياد أخرى نجد فيها هذا التجمع الكبير قيمة حضارية وإنسانية تعطي للمستقبل ضوءاً وإشعاعاً آخرين..
