مرت الأيام التي ودعنا فيها عيد الفطر سريعاً وكأننا ودعناه بالأمس وليس قبل ذلك بأيام وأسابيع. وقد تكون هرولة الأيام بنا لأحضان عيد آخر نعمة أسبغها الله علينا لنمنح أنفسنا، تلك التي تشقى طوال أيامها، أياماً ترتاح فيها.
وتهدأ وتطمئن وتعلن استسلامها لمساحة فرح لا تعادلها أي فرحة أخرى، ذلك أن العيد هو فرحة استثنائية للجميع، ومناسبة لا تحتمل غير ابتسامات ومصافحات ومعانقات تخرج من القلوب إلى القلوب، فتضيف إليها كثيراً من الفرح الذي نتوق إليه في كل عيد، ونتوق لأن نراه في ملامح أطفالنا، أولئك الذين يبدعون أكثر من أي أحد آخر في التعبير عن فرحتهم باستقباله والتحليق بين بالوناته وشرائطه الملونة.
عيد الأضحى المبارك، كنا ومازلنا منذ صغرنا نسميه عيد الحجاج، لذا فإن احتفالنا به يبقى مختلفا عن احتفالنا بعيد الفطر المبارك، خاصة إذا كنا نترقب عودة حجاج من ذوينا سالمين وغانمين ببر الله وطاعته وحسن عبادته، ومع حرصنا على أداء صلاة العيد في المصلى، وشهود نحر الذبائح، والاستمتاع بوجبة الإفطار تلك التي تفوح رائحتها في كل حي.
وزيارة كل من نحب ومن تربطنا بهم صلة، إلا أننا نحتفظ في كل عيد بصورة لا تغيب عنا، صورة لأناس رحلوا فلم يعد لهم مكان بيننا إلا في الذاكرة والقلب والدعاء الذي يلح لهم بالمغفرة والعفو، وصورة لأناس آخرين حاضرين وتراهم أعيننا لكن الظروف تأبى اجتماعنا معهم، لذا تبقى كلماتنا وأفكارنا عاجزة عن اختيار ما يليق بمكانتهم لنهديهم إياه في صبيحة هذا العيد.
إليكم يا من غبتم عن أعيننا وسجلتم حضورا في الذاكرة والقلب نهديكم مساحة حب لا حدود لها، تغمرنا وتغمركم وتتوج هذه العلاقة التي جمعتنا بكل ما يعيننا على دنيانا وآخرتنا.. إليكم مساحة فرح نزفها عبر ابتسامات افتقدت التطلع إلى وجوهكم التي علمتنا لغة الابتسام والتواضع، وجعلتنا نخجل من لحظة يتسرب فيها إلينا العبوس أو العجب بالنفس..
إليكم مساحة تقدير على صبركم واحتمالكم لتقصيرنا وخطئنا ذلك الذي لم نتعمده يوما.. إليكم مساحة رضا إذ ما عرفنا فيكم إلا كل خير وما وجدنا منكم إلا أفضل الخير، فلطالما كنتم خير من نستشيره ومن نستعين به ومن نلجأ إليه ليواسينا ويضمد جراحنا تلك التي لا دواء لها إلا من خلال محبين أمثالكم.
إليكم مساحة صراحة نعلن فيها افتقادنا لحوارنا على تلك المائدة التي لم نحرمها هي الأخرى من متعة تجاذبنا أطراف الحديث والهمسات والأطفال يلهون حولنا. مساحة صراحة نعلن فيها حنيناً لتلك الكاميرا التي تلتقط أجمل الصور وأصدقها لعائلة أصبحنا جزءا منها رغم أننا لم نتكبد الكثير من الجهد والمال لنحصل على ذلك، بل كان صدقها وقلوب أهلها طريقنا المعبدة لنكون جزءا من ساكني منازلها التي نفتقد رائحة قهوتها في هذا الصباح، وعبق الشاي المخدر فيها..
إليكم يا من أحببناهم بصدق ويا من نفتقدهم بصدق وحنين أكبر نبعث رسالة اعتراف بأن كل كلماتنا وعباراتنا تبقى عاجزة عن مجاراة عيدية غالية علينا ارتأينا التعبير عن افتقادنا لها، وأملنا الوحيد دائما وأبدا هو إن غبنا عنكم في هذا العيد فثقوا بأننا سنحرص أشد من حرصكم على أن تكون أيام اللقاء التالية دائما هي أعياد بفرحنا وبطيب نفوسنا.. فكل عام أنتم بخير.
