في عام 2000، عندما اجتمع القادة الأفارقة والأوروبيون في مصر، أخذت المباحثات حول البيان الختامي وقتا طويلا على ما هو أهم لإفريقيا: الديمقراطية أم التنمية الاقتصادية؟ في ذلك الوقت، قال أحد وزراء خارجية الدول الإفريقية: «لفترة طويلة دعم الأوروبيون الديكتاتورية في افريقيا.. والمفاجئ أيضا أنه في عصر الديكتاتوريات تدفقت المساعدات بشكل أكبر الى افريقيا».

واليوم حين يشير البعض الى قيام الأوروبيين بالاجتماع مع رئيس زيمبابوي موغابي، فذلك للتأكيد على أن الأوروبيين في نهاية المطاف يضعون مصالحهم فوق اعتبارات حقوق الإنسان، ..أليس الأمر جليا بالنسبة للرئيس الفرنسي ساركوزي الذي رحب بالرئيس الليبي معمر القذافي طالما ان مجيأه يعد صفقة كبيرة للشركات الفرنسية؟

يقول المحللون ان وراء تعديل الاتحاد الأوروبي لمواقفه تجاه القمة تطور جديد مصدره المنافسة على موارد افريقيا، وبالأخص تزايد النفوذ الاقتصادي الصيني. فبالرغم من أن أوروبا ما زالت الشريك التجاري الأكبر لإفريقيا، إلا ان الطموح الاستثماري للصين يثير الاهتمام وموضوعه لم يعد يحتمل التأجيل، خصوصا بعد ان قام بنك صيني بشراء 20% من حصة أكبر بنك تمويل لإفريقيا، وأقامت شركات صينية استثمارات في مجالات عديدة في السنوات الأخيرة.

والصعوبة في منافسة الصين أنها تقوم بتمويل مشاريع بنية تحتية وتقدم استثمارات من دون اي شروط تتعلق بحقوق الإنسان أو الشفافية.

ولا شك أنه في ظل هذه الأجواء، يشعر القادة الأفارقة أن هناك فسحة من المناورة لتحسين شروط التفاوض مع الأوروبيين، في حين يميل الأوروبيون الى تغليب السياسة الواقعية التي تقول ان التجارة في هذا الظرف أهم من الديمقراطية. والسؤال المطروح هو الى أي حد يمكن التخلص من التبعية القائمة بين افريقيا وأوروبا؟

في البيان الختامي للقمة الإفريقية الأوروبية إيحاء بإمكانية عقد شراكة ندية بين الطرفين، أحدهما الأغنى في العالم والآخر الأفقر، ولأن هذا الإيحاء لا يمكن ان يصمد طويلا أمام النظرية التي تقيم وزنا لميزان القوى ومؤشرات التنمية، فقد بدا البيان كما لو أنه فاقد للحس الواقعي!.

فالعلاقات الأوروبية الإفريقية التي وصفها أحدهم بأنها تتسم بالمعاناة، دون أن يوضح أنها معاناة تسبب بها طرف قوي لطرف ضعيف، مرت بأشكال عدة من الهيمنة والتبعية كالعبودية والتمييز العنصري والاستعمار، وهذا الأخير ما زال يشد افريقيا الى اليوم بعلاقة ليست فيها ذرة من الندية أو المساواة.

والحال أنه منذ مؤتمر روما عام 1956، اشترطت فرنسا قيام السوق المشتركة الأوروبية بقيام شراكة مع مستعمراتها لأنها اعتبرتها امتدادا لها، وقد تطورت هذه العلاقة بعد ثوريات التحرر الوطني، لتأخذ أشكالا أخرى من التبعية بدءا من الستينات بعضها جاء مقنعا بالمساعدات المالية والغذائية، في حين كانت أوروبا تبني نفسها وراء أسوار من الحمائية.

لقد ساهمت أوروبا الى جانب الدول الغنية الأخرى في إفلاس إفريقيا. كان الدعم المقدم للمزارعين وما رافقه من تدفق للمساعدات الغذائية قد سبب خسارة كبيرة لإفريقيا.

حيث خسرت جراءه الاكتفاء الذاتي من إنتاج الغذاء، وكان الملفت في الأمر تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي في الفترة التي تلقت فيها القارة أعلى نسبة من المساعدات خلال 1980 ـ 1986، تراكمت الديون وعمت المجاعة في بعض الدول الإفريقية، وقد حصل ذلك ليس بالرغم من المساعدات بل بسببها. ومن جهته، لم يأل البنك الدولي جهدا في إفقار الناس من خلال برامج «إعادة الهيكلة» بتخفيض الإنفاق على التعليم والصحة ورفع الدعم عن المواد الأساسية.

واليوم تقوم أوروبا بالضغط على إفريقيا لتوقيع اتفاقيات شراكة اقتصادية جديدة تغطي سلعا وخدمات وأنظمة استثمار وسياسة منافسة، للاستعاضة عن انتهاء مفعول اتفاقيات التجارة التفضيلية بينهما في نهاية 2007.

وهذه الاتفاقيات يقول رئيس الاتحاد الإفريقي إنها سوف تؤذي صناعات القارة وفقراء الريف لديها، وقد تم رفضها. لكن بعض الدول الإفريقية تشعر أن لا خيار أمامها إلا الرضوخ، حيث تخشى خسارة إمكانية نفاذ بضائعها الى السوق الأوروبية مع انتهاء الاتفاق.

والمشكلة أنه في الوقت الذي تتكلم فيه أوروبا بصوت واحد باسم الاتحاد الأوروبي فإن الدول الإفريقية الممثلة بالاتحاد الإفريقي تتصرف في الواقع كل على انفراد، وهذا ما أظهره قيام بعض هذه الدول بالاتفاق جانبا مع الدول الأوروبية.

إن دول افريقيا اليوم ما بين تاريخ أوروبا الاستعماري وما بين غزو البضائع الصينية الرخيصة، تبدو أمام خيارات محدودة، والندية في الواقع هي بين أوروبا والمارد الصيني، أما افريقيا فستكون ساحة لحروبهم التجارية المقبلة. فهل ستتمكن من الاستفادة من الواقع الجديد؟