من دون أدنى شك، متابعة التطورات الاقتصادية والجيوسياسية، في المرحلة الراهنة في روسيا الاتحادية، تفرض الوقوف احتراماً لذكاء الرئيس فلاديمير بوتين. فالخبراء يتعقبون جذور أي خيار يتخذه، من أجل تغليب واقعية سيناريو على آخر.

في 11 سبتمبر الماضي، قامت موسكو بتجربة قنبلة فراغية جديدة، وصفتها بأنها الأقوى في العالم حتى الآن، وسمتها أبو القنابل، مقارنة بالوصف الذي أطلقته الولايات المتحدة على قنبلتها الفراغية، التي فجرتها عام 2003، وسمتها أم القنابل. وذكر المختصون أن القنبلة الروسية تحمل شحنات تفجيرية تعادل 7 أطنان مقارنة بـ 8 أطنان تحملها القنبلة الأميركية، إلا أن قوتها تعادل قوة 4 قنابل أميركيّة.

وفي اليوم التالي، كان العالم على موعد مع قنبلة روسية أخرى، لكنها كانت سياسية، فجرها الرئيس فلاديمير بوتين بإعلانه قبول استقالة رئيس الوزراء ميخائيل فرادكوف، وترشيح رئيس الهيئة الفيدرالية للرقابة المالية فيكتور زوبكوف لخلافته.

وذلك خلافاً لكل توقعات خبراء الكرملين الغربيين والمحللين الروس. ما دفع بالكثيرين، إلى القول إن بوتين سخر بجميع التنبؤات. وبما يمكن التنبؤ به بعد ذلك؟

مصادر الكرملين تحدثت آنذاك عن الشلل الذي أصاب أداء الحكومة في ظل التساؤلات عن خليفة بوتين وقبيل الانتخابات البرلمانية في 2 ديسمبر الجاري، وهو ما يبرر خياره خلخلة الحكومة، إلا أنه وخلال مؤتمر حزب روسيا الموحدة الحاكم، شهد تفجير أم القنابل السياسية، حتى الآن، عندما أعلن سيد الكرملين قبوله ترؤس لائحة الحزب لانتخابات مجلس الدوما.

وعدم استبعاده ترؤس الحكومة بعد انتهاء ولايته الرئاسية، ما ألقى بعض الضوء على أسباب المجيء بزوبكوف رئيساً للحكومة.

وبالنظر إلى إجماع المراقبين على نجاح روسيا الموحدة، وأن الرئيس الجديد سينتخب بإشارة من إصبع بوتين الساحق الشعبية يؤيده 82% من الروس، فإن تصريح الأخير ليس أكثر من تحصيل حاصل. أما روسيا الموحدة، فقد تحدثت مصادر كثيراً عن خطة بوتين لتطوير روسيا في الأعوام الـ 15 المقبلة، التي يريد الحزب رفع لوائها.

بيد أن المراقبين يفهمون الآن من هذه الكلمات شيئاً آخر، وهو خطة عمل، تسمح لبوتين بالبقاء في السلطة بعد عام 2008 من دون المساس بالدستور، الذي يمنع ترشحه لـ 3 ولايات متتابعة. وقد أوجع هذا اللغز رؤوس المحللين طويلاً.

لم يبد الرئيس الروسي مستعداً للإخلاد للهدوء. ومن جهة أخرى، بدا من الواضح أن بوتين، لا ينوي الترشح لولاية رئاسية ثالثة. أما خيار تربص بوتين 4 سنوات وراء شخصية ضعيفة انتقالية تتربع على سدة الكرملين. فقد كان موضع شك، لعدم وجود ضعفاء في السلطة.

إذ من سيضمن موافقة الرئيس الجديد على أن يكون شخصية صورية، وألا يستخدم الموارد الإدارية، بعد إقامته قليلاً من الوقت في الكرملين، ضد رئيسه السابق وينقلب عليه؟

ولكن، إذا خلف زوبكوف 66 عاماً بوتين فسيكون الأخير قد حل آخر مهماته، حيث لن يستطيع زوبكوف البقاء في السلطة بعد عام 2012 على الأقل بسبب عمره. وهكذا تكون قد انكشفت خطة بوتين الاستراتيجية.

آخرون يتوقعون إجراء تغيير راديكالي في الهيكلية السياسية الروسية، يصبح وفقاً له، رئيس الوزراء مستشاراً ألمانياً، ويتحول الرئيس الروسي الجديد، إلى ملك إسباني.

يمكن أن تعتمد هذه التركيبة على إخلاص زوبكوف الشخصي لبوتين، وكذلك على التعديلات التشريعية على الدستور، والتي سيطالب روسيا الموحدة بإجرائها بعد فوزه، بمساعدة بوتين، بالغالبية الدستورية البالغة أكثر من 300 مقعد من أصل 450 مقعداً.

إن إعلان بوتين، كان بإيحاء من صانع الأحزاب وحفار قبورها، نائب رئيس ديوان الرئاسة، فلاديسلاف سوركوف. وأكدت أن تطبيق فكرته يعني قطع الطريق على جميع الأحزاب. ما عدا روسيا الموحدة، والحزب الشيوعي.

وهذا ما حصل الجميع في روسيا الآن، موالاة ومعارضة يعترفون بالمهارة الاستراتيجية لبوتين، حيث أصاب عصفورين بحجر واحد. فهو يظهر أنه ديمقراطي كبير. وحريص على تطوير نظام تعدد الأحزاب، وفي الوقت نفسه سيجمع في يديه مقاليد السيطرة الكاملة على الوضع.

عودة الثقة بالنفس إلى روسيا الاتحادية، أدى إلى ارتفاع نسبة شعبية الرئيس بوتين إلى أكثر من 80% حسب استطلاعات الرأي. وتشكل عودة روسيا، إلى سابق قوتها والاضطلاع بدورها الفاعل على الصعيد العالمي. أمر أهم من تمسك بوتين بالرئاسة، أو نكوصه عن الديمقراطية.

ويبدو أن بوتين الذي فضّل انتظار ظروف أفضل لترسيخ مكانة روسيا عالمياً، انقض على الفرصة المناسبة لإعلان عودة روسيا القوية إلى الساحة الدولية رغماً عن أنف المعارضين.

وفيما غالبية المفكرين الليبراليين الروس، وعلى مدى 200 عام، يصنفون تركز السلطة في يد واحدة، وغياب التوازن السياسي، الخطر الأكبر على روسيا، من الواضح أن اسم فلاديمير بوتين لن يغيب عن عناوين نشرات الأخبار وصفحات الصحف، وأن حقبة روسيا الاتحادية وقنابلها البوتينية القوية، لن تزول قريباً.