قبل أيام قلائل، عّبر زعماء الاتحاد الأوربي (27 عضوا) عن غبطتهم ونجاحهم بعد جدل سياسي استمر طويلا، بالتوقيع في لشبونة على وثيقة تاريخية لمعاهدة جديدة سميت بمعاهدة لشبونة من اجل اصلاح مؤسسات الاتحاد والانتقال بمشكلاته من قضايا تنظيمية الى مؤسسة فاعلة واخذ زمام المبادرة.
وتتلخص أهدافها بالسماح لهم ان يتحركوا بقوة وفاعلية اكبر ازاء القضايا الدولية، خصوصا اذا كان هناك ثمة تغيير في طريقة عمل الاتحاد، فضلا عن تسريع عملية اتخاذ القرار في الاتحاد الاوروبي الآخذ في الاتساع، وخلق منصب رئيس للمجلس الاوروبي ومنصب رئيس للشؤون الخارجية للاتحاد، وإصلاح نظام التصويت، والتخلص من حق قرار النقض (الفيتو) في الكثير من المجالات.
لقد كانوا قد توصلوا بالاتفاق النهائي على ان تكون هذه المعاهدة بديلا للدستور الموحد الذي تّم التخّلي عنه لما كان الشعب في كل من فرنسا وهولندا قد رفضاه باستفتاءات عام 2005.
ان هذه «المعاهدة» الجديدة ستكون سارية المفعول فور المصادقة عليها رسميا من قبل برلمانات الاتحاد الأوروبي، وسوف يستحدث بموجبها منصب رئيس للاتحاد مدة ولايته عامان ونصف العام، ومسؤول عن السياسة الخارجية يفوض بصلاحيات اوسع بكثير من هذه التي منحت له. فضلا عن ان المعاهدة الغت استخدام حق الفيتو في سياسات عديدة.
ثمة أسباب حقيقية تكمن وراء تجديد حياة هذا الاتحاد الاوربي الذي احتفل بعيد تأسيسه الخمسيني مستهل هذا العام ليس بسبب كهولته او بسبب عدم تقبّل دستوره، بل بسبب المتغيرات الجديدة في السياسات الاوروبية حيال الدور الاميركي ورحيل جيل سياسي قديم كان باستطاعته ان يقول (لا) للولايات المتحدة، وكان شيراك ـ مثلا ـ آخر من يمثلّهم، إذ بدا ساركوزي نقيض سلفه.
اما الأميركيون، فسوف لن يحتفلوا بتجديد اوروبا اتحادها، ليس لأنهم يرونها عجوزا متصابية، بل لكونهم يجدونها تصفق لهم ولا تخالفهم ما يريدون.. وعليه، فان زعماء الاتحاد الاوربي لن يجعلوا هذه «الوثيقة» بديلا! اذ تفادت الاتفاقية عقبة طرحها للاستفتاء الشعبي من خلال نصها على انها «تعدل» ولا «تحل محل» معاهدات الاتحاد الأوروبي الحالية.
لقد فرح الزعماء الاوربيون بالتوقيع على هذه «الوثيقة» التي اعتبروها خطوة تاريخية وانجازا عظيما بعد ان مني مشروع دستور الاتحاد الأوروبي بالتعثّر والاخفاق مما اسفر عن ازمة دستورية تناثرت معها علامات من الاستفهام حول مستقبل الاتحاد واستمراره كمظلة اوروبية.
ولكنني اعتقد ان لا خيار آخر امام اوروبا الا المضي قدما من اجل توحيد كتلتها الجغرافية ومظلتها الاقتصادية، كي تبقي دورها نشيطا ومتلازما ازاء كل من الجبروت الاميركي والمارد الآسيوي.. نعم، ان الأوروبيين سيقابلون هذه الوثيقة بالارتياح، ولكنهم لن يجعلونها مخلصا لهم بالوقوف كتلة متحدة حقيقية كما كانت عليه سابقا.. ويبدو ان ايرلندا هي الدولة الوحيدة التي تعتزم اجراء استفتاء على المعاهدة، وسيختلف الناخبون بشأنها او انهم سوف لا يبالون بها.
استطيع القول، ان مناقشات صعبة وساخنة ستشهدها برلمانات بريطانيا وهولندا والدنمارك بشأن بنود المعاهدة الجديدة، وهل أنها تتعارض مع سيادة الدول الاعضاء ومصالحها ؟
وانني اعتقد ان الدول الاوربية الفقيرة التي كانت ضمن المنظومة الاشتراكية سابقا ستصفق لها لضمان مصالحها، ولكن دول غربي أوروبا القديمة ستجد «المعاهدة» خطوة جديدة لقبول سياقات العصر الأميركي للمرحلة القادمة! ولعل اول المصفقين في هذا الميدان كل من المانيا وفرنسا وبولندا وكلها تعهدت بالمصادقة وامكان تطبيقها في العام 2009 كما اقر المؤتمرون في لشبونة. وعليه، فان بعض حكومات اوروبا ستواجه ضغوطا في بلدانها بسبب الوثيقة الجديدة.
ان وثيقة لشبونة هي نسخة مخففة من الدستور الأوروبي ولكن بتواضع العنوان وبتجاهل اي رمز من رموز الاتحاد كالعلم والنشيد.. إنها صيغة نص لا تساوي النص السابق وتتجاوزه بتسمية الاصلاحات (تغييرات) لبعض مواد دستورية سابقة.
ان المقصود بها: تسهيل آلية صنع القرار في الاتحاد، بإلغاء حق الفيتو في خمسين من الأمور السياسية بما في ذلك قضايا حساسة وشائكة كالشرطة والتعاون القضائي فضلا عن مفوضية للسياسة الخارجية تكون مسؤولة عن ميزانية كبرى وآلاف الدبلوماسيين.
فهل ستضمن هذه الوثيقة انتاج صوت موحد لأوروبا في العالم، أم أنها ستشهد تنافسات تكون بداية انقسامات اكبر في المرحلة القادمة ليقول العالم ان المرحلة الذهبية قد ولّت دون رجعة؟ ام ان مرحلة ماسية ستتبلور في تاريخ اوروبا ابان القرن الواحد والعشرين؟
وهل ستنفع تمنيات خوزيه مانويل باروسو رئيس المفوضية الاوربية للزعماء الاوربيين ان يستخدموا الوثيقة لجعل الحرية والرخاء والتضامن واقعا معاشا يوميا! ولقد خرجت كل من ايطاليا وبولندا والنمسا ببعض المكتسبات.
من جانب آخر، هل باستطاعة الاوربيين مشاركة الافارقة بأي استراتيجية جديدة تضمن ولاء افريقيا لأوروبا؟ أم ان الاوربيين سيشعرون ان اتحادهم يحمّلهم اعباء جديدة مستقبلا لاسباب سياسية واستراتيجية بعد تحّمل اعباء دول المنظومة الاشتراكية المنهارة؟ وعليه، هل سينجح هذا «المشروع» الجديد في دوامة العصر.. أم ان مصير الوثيقة سيلحق بمصير وثيقة لشبونة حول مشروع المتوسطية الذي راهنت دول اوربا عليه في تسعينات القرن العشرين؟
أخيرا، ان العام 2008 سيحدد مسار الاتحاد الأوروبي نحو 2009 حيث تنتظرنا مفاجآت تاريخية كبرى كما أتوقع.. المهم أيضا الدور الأميركي حيال المتغيرات الجديدة التي تريدها لصالحها في استراتيجيتها العولمية. السؤال الأخير الذي أود لفت الأنظار اليه: الا تستوعب منطقتنا في الشرق الاوسط او منظومتنا العربية اليوم كل هذه الدروس للتعلم منها في تكوين أدوات المستقبل؟
مؤرخ عراقي