هذا العيد ليس ككل الأعياد، لا من حيث المعنى ولا من حيث المبنى، في معانيه الكبرى، احتفال بقيم الطاعة لله ولرسوله والتضحية بالنفس في سبيل العقيدة والمبدأ، وفي معانيه الكبيرة استعادة واقعية للزمان العظيم وحج حقيقي للمكان المقدس، وحينما نحيي هذا العيد ونحيل العيد الكبير للطاعة والولاء وللتضحية والفداء، فنحن في الواقع نعيد اكتشاف ذواتنا ومراجعة أنفسنا وواقعنا لنستعيد ذواتنا ونسترجع المعنى الحقيقي للحياة.

بالأمس كان يوم الوحدة الإسلامية الكبرى حين توحد المسلمون بشعائرهم ومشاعرهم في يوم عرفة حين كان ضيوف الرحمن بملابس الإحرام البيضاء التي توحد الجميع في المظهر لتعكس ما في المظهر من قيم عظيمة استقرت في الجوهر توحد عليها الجميع في أنحاء الدنيا بعقولهم وبقلوبهم.

وبينما كان الحجاج فوق جبل الرحمة وجبل النور التي تطل على البيت المعمور تلبي دعوة رب الكون الأعظم، كان مليار ونصف المليار من المسلمين في العالم في مساجدهم وفي بيوتهم يرددون على البعد وهم صائمون لله نفس النداء الجميل ونفس الدعاء والجليل «لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك» ويصوم القسم الأكبر منهم توحدا مع من أكرمهم الله بالرحلة المقدسة ووقفة عرفات الفياضة بالعبودية لله الخالق لكل البشر والتحرر والانعتاق من عبودية المخلوقين من كل ألوان البشر.

وحينما نتأمل مشاهد الحج الأعظم في مكة المكرمة في بيت الله الحرام في طواف الملايين من كل الأجناس والألوان واللغات سبع دورات في مهابة وجمال وجلال حول الكعبة المشرفة التي هي مركز الكون كله، والتي رفع قواعدها أبطال هذا العيد الكبير أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام وولده سيدنا إسماعيل عليه السلام، نستحضر حركة الكون كله ودوران الكواكب حول الشمس، ونستشرف الآفاق للسماوات السبع ونغوص في الأعماق للأراضين السبع لنسبح خالق الأرض والسماوات رب كل العباد ورب العرش العظيم.

وفي ثنايا هذا المشهد العظيم في هذا البيت العظيم وفي هذا اليوم العظيم نستعيد مشهد المكان القديم حين كان متحفا للتخلف الذهني والجهالة البشرية وللأصنام التي صنعها بعض الجهلاء من البشر من الحجر ليعبدها كل الجهلاء.

في هذا اليوم المبارك تتوحد الأمة الإسلامية كلها بمشاعرها وشعائرها أو هذا ما يفترض وما ينبغي أن يكون، وما كان هذا العيد في الواقع إلا لتتوحد الأمة وليطوف حجاج بيت الله الحرام بشعائرهم حول القبلة الواحدة للمسلمين في صلواتهم اليومية الخمس عبادة لله الواحد، وليطوف مئات الملايين من المسلمين على امتداد القارات الخمس بالكعبة المشرفة ويتوحدون بمشاعرهم مع الطائفين حول القبلة الواحدة للمسلمين.

mamdoh77t@hotmail.com