من أكثر تعريفات الاقتصاد دقة وبساطة ورشاقة هو أنه «علم الفرصة البديلة» فكل قرار يصدر بتخصيص مورد ما بشري أو طبيعي لنشاط معين يعني حرمان صاحبه من استغلال المورد نفسه في أي من «البدائل» الأخرى، وعند تقييم الاختيارات السياسية يمكننا الاستعانة بهذا المنطق فبعض الاختيارات السياسية لا تبدو الخسارة الناتجة عنها إلا بمقارنتها بـ «الفرص البديلة».
ومؤخراً انعقدت القمة الإفريقية الأوروبية وانفضت وهلل المتحمسون وأجهد المحللون أنفسهم في إحصاء المكاسب دون مقارنتها «بالفرص البديلة». وإلى جانب غياب هذا المنطق المقارن غابت حقائق وقيست أمور بمعايير مزدوجة.. ..والتفاصيل أكثر دلالة على أزمة تتجاوز الأجندات السياسية إلى طرائق التفكير.
الفزاعة الأميركية
أولى مشكلات القمة الافريقية الأوروبية هي انعقادها تحت تهديد الفزاعة الأميركية المسماة «الشرق الأوسط الكبير»، وهذه القمة هي في حقيقة الأمر محاولة «متوسطية» للهرب من هذا المشروع ويحمل رايتها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وبعض حلفائه في شمال افريقيا، وما وجود بقية الأطراف الافريقية جنوب الصحراء إلا لتوفير مظلة افريقية لمسعى عربي يتعامل مع المشروع الأميركي بمنطق من «يستجير من الرمضاء بالنار».
وإذا تغاضينا عن الرفض الألماني للمشروع المتوسطي الذي تطرحه فرنسا لدول شمال وجنوب المتوسط كبديل عن الشرق الأوسط الكبير وهو ما أرجح أنه سيكون عاملاً حاسماً في دفعه إلى الظل، فإن المشروع الأوسع (أوروبا - افريقيا) ليس مشروعاً للبناء بل لمنع المشروع الأميركي لهيكلة المنطقة وهو يبدو قادماً على المدى البعيد. نحن إذن أمام مشروع عربي للهروب لا مشروع للبناء.
وفي إشارة موحية، سبقت القمة معركة لها رمزيتها حول حضور الرئيس روبرت موجابي الذي لا يجادل أحد في أنه تحول إلى واحد من أكثر الحكام الأفارقة استبداداً، والشريك الأوروبي الذي حاول منع موجابي من الحضور بسبب سياساته الاستبدادية هو بريطانيا الانجلوسكسونية التي تشارك أميركا تقديرها لأهمية التحول الديمقراطي لأي رؤية لمستقبل المنطقة.
وما إصرار أطراف عربية فاعلة على حضوره إلا إشارة لا تحتاج من يفك شفرتها إلى أن الديمقراطية لن تصبح أبداً معياراً للتقييم في العلاقات الدولية وسيظل الشأن الداخلي مقدساً لا يجوز الاقتراب منه، وقد استجابت ألمانيا وفرنسا لهذا المبدأ.
وما جمع الأطراف الفاعلة في هذا التجمع أسبقية الأمن على الحرية فأوروبا في حاجة إلى «جدار عازل» جنوب المتوسط لحمايتها من أخطار عديدة في مقدمتها الهجرة غير الشرعية وبعض الأنظمة جنوب المتوسط تحتاج إلى حماية أوروبية من مخاطر النزوع الأميركي لاستخدام نفوذها لنشر الديمقراطية وبالتالي تريد حليفاً دولياً قوياً يمكنها الاستناد عليه.
الوهم الأوروبي
ما يبدو غير رشيد في هذا الاختيار أنه مبني على عدة أوهام أولها أن أوروبا يمكن أن تكون قطباً يواجه الولايات المتحدة وهو وهم لم يتخلص منه صانع القرار في عواصم عربية عديدة رغم كثرة العبر والدروس التي شهدتها السنوات القليلة الماضية.
فالأوروبيون في أفغانستان يحاربون مع أميركا كتفاً بكتف وفي العراق لم يستطيعوا منع أميركا من إطاحة نظامه، وحتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم يستطيعوا منع توجيه ضربة أطلسية لنظام ميلوسيفيتش وهو ما كان خيارًا أميركياً في المقام الأول وشهد تدخلاً عسكرياً في قلب القارة الأوروبية.
فهل ترى ـ ولو على سبيل الافتراض مجرد الافتراض ـ تستطيع أوروبا منع أميركا من القيام بعمل عسكري خارج أوروبا إذا قررت أميركا ذلك؟
من ناحية أخرى فإن الأوروبيين ليسوا قادرين حتى الآن على تشييد بنائهم الأوروبي ليكون هناك كيان يستطيع تحويل الوهم الأوروبي إلى حلم وإخفاقهم تكريس لحقيقة أن الولايات المتحدة .
وبخاصة إذا أضفنا إلى قوتها التحالف الصلب الذي يجمعها ببريطانيا واستراليا واليابان ـ فإننا نصبح أمام رقم كبير جداً سياسياً واقتصادياً بالمقارنة بالقارة العجوز. وحتى القاطرة الفرنسية الألمانية أصبحت أقرب لأميركا من سنوات مضت، كما أن كلاً منهما ـ للمفارقة ـ له رؤية مختلفة في شأن مستقبل العلاقة مع افريقيا.
والوهم الأوروبي له تأثير يبدو محيراً، فهل التحالف مع أوروبا تعبير عن السيادة، والتحالف مع أميركا تعبير عن الخضوع للهيمنة والتفريط في السيادة؟ إن مما لا شك فيه أن من له أقل دراية بالشؤون الدولية يعرف أن الأوروبيين هم أول من مارس الهيمنة على هذه القارة يستوي في ذلك الفرنسيون والإيطاليون والألمان والبلجيك.. ..
وبالتالي فإن «الجرائم القديمة» التي ارتكبها الأوروبيون - ويرفضون حتى الآن الاعتذار عنها - لا يجوز أبداً أن يختلف الموقف منها عن الموقف من «الجرائم الجديدة» التي يرتكبها الأميركيون، إلا في حالة واحدة هي الإقرار بأننا نحن أيضاً مرضى بازدواج المعايير!
دبلوماسية الورطة
والمستجير من الرمضاء بالنار هو بالقطع في ورطة وبالتالي يكون مخيراً دائماً بين المر والأكثر مرارة وتلك للأسف الشديد السمة الرئيسة لهذا القمة التي انعقدت قبل أن يوقع قادة أوروبا ميثاقاً أوروبياً لا يعرضونه ـ باستثناء بولندا ـ على شعوبهم في استفتاءات للتصويت عليه في اعتراف واضح بأن أعمدة الخيمة الأوروبية أضعف مما يتصور بعض صانعي القرار العرب، ومما يصور بعض المحللين العرب. ورغم هذا نهدر «الفرصة البديلة» دون أن يكون هناك كشف حساب حقيقي بالمكاسب والخسائر في كل منها.
وفي إطار هذه الورطة أيضاً هناك إغفال متعمد لحقيقة أن البناء الافريقي هو الآخر يعاني شللاً جزئياً ويفتقر للفعالية حتى في مواجهة الأزمات الافريقية نفسها، وبالتالي فإن هذا العجز يساهم في فتح الباب لتدخل أميركي محتمل بنصيب أكبر مما تساهم به الرغبة الأميركية في الهيمنة.
وما زالت الأحوال المتردية في وسط افريقيا وشرقها تؤكد أن إفريقيا عاجزة عن إرساء دعائم مستقرة ثابتة لبناء كيان إفريقي يتصف بالكفاءة، ويعد غياب الديمقراطية أحد أهم أسباب هذا الإخفاق.
ولأن البعض يرى استمرار الأوضاع غير الديمقراطية جنوب المتوسط خياراً وحيداً، فإن هذا البعض يدفع افريقيا بقوة للارتماء في أحضان أوروبا هرباً من أميركا، فإن إفريقيا تصبح على طريق من «يستجير من الرمضاء بالنار».
كاتب مصري