كيف يتراجع رئيس قوة عظمى عن تهديد علني بشن الحرب على دولة ما دون أن يخسر مصداقيته السلطوية أو ماء وجهه؟

هذا هو السؤال الذي طرحه في صحيفة «هيرالدتربيون» الأميركية كاتب العمود هنري غرين واي في سياق تعليقه علي التقرير الاستخباراتي الأميركي الذي يفيد بأنه لم يعد لإيران منذ عام 2003، برنامج لتصنيع أسلحة نووية مما ينفي أي مبرر لأن يأخذ الرئيس بوش بالخيار العسكري لضرب إيران.

الكاتب يروي حكاية تتعلق برئيس أميركي سابق بغرض إسقاطها على إدارة الرئيس جورج بوش الابن وسياستها تجاه البرنامج النووي الإيراني، يحكي غرين واين انه قبل نحو ثلاثين عاماً كان الرئيس جيمي كارتر على وشك اتخاذ قرار كبير كان مستشاروه السياسيون والعسكريون يرون أنه ينطوي على خطأ جسيم، فقد اعتزم كارتر سحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية.

وكانت المعضلة أمام المستشارين هي أن طبيعة الرئيس كارتر تتميز بالعناد، وبالتالي يصعب إقناعه بالحجج المنطقية. لكنه كان قابلا للإقناع إذا قدمت إليه «حقيقة جديدة» في المسألة المطروحة.

«الحقيقة الجديدة» التي قدمت بالفعل إلى الرئيس كانت تقريرا استخباراتيا جديداً يحتوي على أدلة تفيد بتعاظم التهديد العسكري لكوريا الشمالية على كوريا الجنوبية أكبر من أي وقت مضى. وهكذا استخدم فريق المستشارين التقرير الاستخباراتي فاستطاعوا إقناع الرئيس كارتر بتغيير رأيه، ولحفظ ماء الوجه وافق الرئيس على اقتراح من المستشارين بأن يكون قراره هو «تأجيل» سحب القوات الأميركية.

الشيء بالشيء يذكر، يقول الكاتب.. فالتقرير الاستخباراتي الأخير الذي قدم إلى الرئيس بوش بشأن توقف إيران عن عسكرة برنامجها النووي يمثل «حقيقة جديدة» مما يتيح للرئيس إحداث تغيير في الموقف الأميركي تجاه إيران بما يؤدي إلى إلغاء الخيار العسكري دون أن يستشعر رئيس الولايات المتحدة حرجاً، هل يعني ذلك أن إدارة بوش قررت نهائياً صرف النظر عن أي توجه لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران؟

الموقف ليس واضحاً تماماً، لنعيد إلى الأذهان أولاً أن فكرة ضرب إيران صدرت عن مجموعة «المحافظين الجدد» الذين يمثلون نفوذ الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة والتي تتكون غالبية أعضائها من شخصيات يهودية.

وهي نفس المجموعة التي كانت وراء قرار الإدارة بشن الحرب على العراق بذريعة ملفقة، هي الادعاء بأن عراق صدام يمتلك أسلحة دمار شامل، لكن مع توالي الفشل الأميركي تلو الفشل في العراق مع تصاعد التذمر ضد الحرب على مستوى الكونغرس والشارع الأميركي عموما أخذت عناصر المحافظين الجدد في مغادرة مناصبهم في الإدارة لتفادي أي مساءلة في وقت لاحق|.

غير أن من تبقوا من المجموعة ويتزعمهم نائب الرئيس ديك تشيني مازالوا جادين في سعيهم لحمل إدارة بوش على التمسك بالخيار العسكري ضد إيران، وتدعمهم إسرائيل في هذا التوجه، هنا ينبهنا الكاتب غرين واي إلى الحقيقة غير المعلنة بشأن أجندة المحافظين الجدد.

يقول الكاتب إنهم يريدون ضرب إيران على كل حال، سواء كان لها برنامج أسلحة نووية أو لم يكن ـ انسجاما مع رؤيتهم للعالم ـ إنهم يرون أن استخدام القوة العسكرية سواء ضد إيران أو ضد غيرها غاية في حد ذاتها من أجل بث الرعب العام في العالم. ففي عقيدتهم أن اشتعال حرب لا يستخدم كملجأ أخير لدعم مصالح وطنية حيوية للولايات المتحدة وإنما لإثارة الخوف ضد الأعداء المحتملين ومن أجل ردع عالم معاد لأميركا.

إذن هي الحرب من أجل الحرب ألا يذكرنا هذا بقول المفكر الماليزي مهاتير محمد بأن اليهود يسعون لحكم العالم عن طريق تسخير الآخرين للقتال نيابة عنهم؟