مرة أخرى تفشل المساعي والمحاولات لعقد جلسة انتخاب رئيس جديد للبنان. ومرة أخرى يلجأ المجلس النيابي إلى تأجيل الموعد إلى يوم السبت المقبل. ومع هذا وذاك تتلبّد الغيوم أكثر وأكثر في أفق الأزمة. الوساطات تبدو وكأنها وصلت إلى آخر الطريق المسدود. جدار الشروط تزداد سماكته، ومخزون المخارج يكاد ينضب.

الجهود المبذولة من الخارج، العربي والإقليمي والدولي، لم تتوقف. لكن بدأ يظهر عليها السأم؛ وبالتالي الفتور. وكأنها تعبت من المماحكات والمعاندة والدوران في الحلقة الفارغة.

كان من المفترض والمطلوب أن يكون اللاعبون قد تعبوا من هذه الدوامة. أو على الأقل تهيّبوا ما تنطوي عليه من مجازفات، قد تطيح بالملعب والمتلاعبين. فالعملية باتت تبدو أقرب إلى التلاعب بما لا يجوز المقامرة به؛ حتى ولو عن غير قصد.

وما يرفع من منسوب التخوف والقلق، انه بدلاً من حصول نوع من الذوبان في المطالب والشروط والشروط المضادة؛ حصل مراكمة للمزيد منها ومن تعقيداتها. وبالعودة إلى شريط مسلسلها يتبيّن أنها مفتوحة على المزيد من التفريخ للمعوقات.

ففي كل مرة تظهر عقدة، كانت الجهود تنصبّ على تذليلها؛ وما أن يتم تجاوزها والتغلب عليها إلا وتبرز مكانها عقبات جديدة؛ تعيد البحث إلى المربع الأول.

الأمر الذي ترك تأجيل جلسات البرلمان، كمخرج وحيد متاح. على الأقل للإبقاء على حبّة الأمل وعدم قطع حبل التفاؤل. لكن شراء الوقت بهذه الطريقة، على أهميته في ضوء المعطيات القائمة، ينطوي على خطرين: أن يتحول التأجيل إلى روتين تحذيري؛ من شأنه أن يرسخ الأمر الواقع، بكل ما ينطوي عليه من انشطارات مفتوحة على التفجير.

وثانياً ان يحرق الأيام الباقية من العام الجاري، من دون انتخاب، بحيث يصبح التأجيل مفروضاً، هذه المرة، إلى ما بعد 15 مارس المقبل. ففي نهاية الشهر الحالي تنتهي الدورة العادية للمجلس النيابي اللبناني؛ على أن تتجدد يوم أول ثلاثاء بعد 15 مارس.

ولما كان احتمال فتح دورة استثنائية أمراً متعذراً، في ضوء الخلافات المعروفة؛ فإن انتخاب الرئيس لن يكون ميسوراً قبل نهاية الربع الأول من العام المقبل. وان تشطح العملية كل هذه المدة، مع كل التعقيدات والتعجيزات المعروفة والمتداولة فإن ترئيس وتطويب الفراغ في لبنان يصبح احتمالاً وازناً.

وفي وضعه الراهن، لا يقوي لبنان على التعايش مع هذا الفراغ، ومؤسساته بين المجمدة والمعطلة والمشلولة. لا هذا الواقع ولا رياح الأعاصير الهادرة في المنطقة، تسمح بإقامة هادئة لضخامة الفراغ؛ في لبنان. وبديل الفراغ معروف. أو في أحسن الأحوال، خطر هذا البديل قائم. والمؤسف ان كافة اللاعبين في لبنان يدركون ذلك ويحذرون منه. ومع ذلك تبدو اللعبة وكأنها تسير في مجراها المؤدي إلى هذه المحطة.

ولا فرق سواء كان ذلك يحصل برضى اللاعبين أم لا. فالنتيجة واحدة. ومن هنا فمسؤولية القوى اللبنانية المعنية؛ في ضرورة الإسراع بإعادة النظر ومراجعة الحسابات. وليس سراً أن عوامل كثيرة ومؤثرة، تتحكم بالأزمة اللبنانية.

منها الداخلي ومنها الخارجي. لكن الواضح أيضاً، أو الذي ينبغي أن يكون واضحاً، هو أن اللعبة وصلت إلى تخوم حقل الألغام. فسحة المناورات تلفظ أنفاسها. الخيارات تقلّصت إلى اثنين. وفرصة البتّ الآن وليس غداً؛ حتى تنعقد جلسة يوم السبت المقبل ويصار إلى انتخاب المرشح الذي تحقق التوافق حوله، العماد سليمان. موعد يبدو أن ما بعده لن يكون غير الندم.. ساعة لا ينفع الندم.