بالرغم من كل ما قيل ويقال بشأن مخاطر الاختلافات والتناقضات التي طفت على السطح وغطت الساحة الفلسطينية باتساعها بين حركتي فتح وحماس، الا انه لايبدو ان هناك، على الجانبين، من يتوقف مليا امام مخاطر جمة احاطت وتحيط في الواقع بالقضية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني الذي قدم من التضحيات ما يفوق قدرات الكثير من الشعوب .

واذا كان من المفروغ منه ان اسرائيل هي المستفيد الاول والاكبر من استمرار وتصعيد الخلافات بين حركتي فتح وحماس، بل انها تعمد آلة توسيع نطاقها، وتسعى الى إحباط اية محاولات للتقريب بين وجهات النظر في اكبر فصيلين فلسطينيين، فان المواقف المتعنتة والمتصلبة من جانب هذا الفريق او ذاك، ومهما كانت مبرراتها او اسبابها، لاتحقق مصلحة، ولا تحرر ارضا، ولاتعيد حقوقا .

وفي ضوء هذه الحقائق التي لا يمكن ان تغيب عن اذهان القيادات الفلسطينية، ولا عن تفكير السواد الاعظم من ابناء الشعب الفلسطيني بكل فئاته وقواه السياسية، فانه لامناص من العودة مرة اخرى الى مائدة الحوار الوطني الفلسطيني، وإلى الاسس والمبادئ الى ارتضاها ابناء الشعب الفلسطيني كأساس للعمل الوطني الفلسطيني، سواء في اطار منظمة التحرير الفلسطينية، او في اطار اتفاق مكة الذي سبق وتم التوصل اليه بين حماس وفتح كسبيل لادارة الشؤون الفلسطينية ومحاولة شق طريق يمكن ان يساعد في الجهود المبذولة لاستعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة وإشراك المجتمع الدولي ليقوم بمسؤولياته في هذا المجال، ولم يكن مؤتمر انابوليس سوى محاولة في هذا الاتجاه، وان كانت اسرائيل قد سارعت الى محاولة احباط نتائجها وقطع الطريق على ما يمكن ان تقود اليه من نتائج قد تتوصل اليها المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية حول قضايا الوضع النهائي وهي قضايا شائكة .

ومع الوضع في الاعتبار ان مؤتمر المانحين الذي بدأ امس في العاصمة الفرنسية باريس بمشاركة عربية ودولية واسعة النطاق، وبدعم امريكي واوروبي كبير وملموس يعد خطوة على جانب كبير من الاهمية، على صعيد توفير مايمكن ان يسهم في توفير ولو بعض متطلبات الحاجات الضرورية للشعب الفلسطيني، مع العمل من اجل الإعداد لاعادة بناء جانب من البنية الاساسية الفلسطينية التي تعمدت اسرائيل، ولاتزال تعمد، الى تدميرها بشكل منهجي، فانه من الاهمية بمكان العمل وعلى نحو جاد وكبير من اجل ان تصل المساعدات الى قطاع غزة المحتل ايضا، حتى لاتسير المساعدات في اتجاه واحد او الى جانب من الشعب الفلسطيني وتترك جانبا آخر يعاني الكثير من مشكلات الحصار والإغلاق والمنع والحرمان الذي تمارسه اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة المحتل .

وفي حين يغض الكثيرون النظر عن سياسات العقاب الجماعي التي تطبقها اسرائيل ضد قطاع غزة، الا انه ثبت الى حد كبير فشل هذه السياسات التي تؤدي فقط الى دعم وزيادة نفوذ التيارات والجماعات المتشددة في قطاع غزة المحتل، سواء داخل حماس او في الفصائل الفلسطينية الاخرى . ولذا فانه من الاهمية بمكان ان يتم تخفيف الحصار عن الشعب الفلسطيني ولو لأسباب انسانية، خاصة وان ذلك يمكن ان يشكل مدخلا لتنشيط الحوار مرة اخرى بين فتح وحماس، او على الاقل التمهيد لذلك .

ومع انه توجد هناك جهود ومساع عديدة غير معلنة من اجل محاولة جمع فتح وحماس على مائدة الحوار الوطني الفلسطيني مرة اخرى، الا ان تعمد بعض التيارات او المجموعات المتعنتة في الفصيلين الى تشديد المواقف وفرض الشروط او استثمار الاعلام للاساءة الى الفصيل الاخر بشكل او بآخر، وهو ما انتشر بشكل مؤسف في الاونة الاخيرة، لايمكن ان يساعد على تهيئة المناخ لاعادة اللحمة الى صفوف الشعب الفلسطيني مرة اخرى، في وقت هو في أمس الحاجة لذلك، فماذا تفيد القيادات اذا لم تنجح في تحقيق ذلك ؟