الحديث عن موسم الحج لن ينقطع طالما هذا الركن قائم، ولعل تزايد المسلمين في أداء هذه الشعيرة، جعل العالم بمختلف أديانه ومذاهبه يراقب المسلمين، كيف يتوحدون بمشاعرهم وملابسهم ويؤدون عباداتهم خارج الطقوس المعقدة أو التي تنتشر فيها الخرافة والخيال، ولعل عظمة الإسلام أنه مع كل حالات الانحطاط والجهل بقي عقيدة متماسكة وثابتة، وهذا السر في مقاومته الظروف الزمنية الصعبة، أنه دين عقل وتسامح، لكن يبقى على المسلمين أن يدركوا أن الأزمنة متغيرة، وأن الصراعات الحالية التي تقودها قوى عالمية ضدنا لا ترتكز على قواها المادية فقط، وإنما سيطرتها على العقل البشري بوسائلها المتقدمة والمنتشرة في كل منزل، وشارع، وهنا لابد أن تتغير أسلحتنا بما يتكافأ مع تلك الوسائل.
فالحوار مع الحضارات بأديانها وتقاليدها وثقافاتها الراسخة والمتغيرة، يقود الى وعي مشترك ويخلق تلاقياً لا تحسمه عقلية الإرهاب التي تعتقد أن العنف هو وسيلة إخضاعٍ للغير، بينما القضية أخطر من ذلك عندما تجد خصمك يرد عليك بنفس القوة ويحاربك بسلاح العقل، والتقدم العلمي والتقني.
فالحج مشهد هائل وعظيم، وعندما تنقله وسائل الإعلام المختلفة إلى كل بقاع العالم فإن استغلال هذه الميزة العالمية، هو بأن نكسر أسوار العزلة مع المجتمع البشري التي حاولت جبهات الإرهاب عزلنا عن محيطنا في هذا الكوكب، وتشكيل صورة أكثر وضوحاً عن قيمنا ومبادئنا التي أعطاها الإسلام القيمة الأخلاقية والمعنوية، وتجاوز كل الأزمنة بانتشاره الذي لا يزال ينمو رغم كل الأسلحة التي تحاول إيقافه.
ثم إننا في معركة العالم المتلاصق فكرياً ومادياً وزوال الحواجز الجغرافية، وربما حتى اللغوية والثقافية لا نعيش معركتنا مع مجهول وإنما مع قوى لديها استراتيجيات وطرحٌ لكل الاحتمالات الحسنة، والسيئة، وطالما العالم الإسلامي كيان هائل لكنه مفكك وفقاً لظروفه السياسية والاقتصادية فإن التلاقي على بحث المصير الواحد، والعقيدة الواحدة، يجب أن يضعنا في جبهة التوافق والتضامن لا الانشقاقات والتباعد لأسباب غير منطقية أو معقولة، فإذا كان العالم تحكمه سلسلة من الأنظمة والمفاهيم وخلفهما خطط المراحل البعيدة والقريبة، فإن استنادنا إلى قوانا المشتتة والمنقسمة أصلاً لا يعطينا ميزان القوة المنافسة مع الغير، ولعل الفرص التي يتيحها موسم الحج كبيرة ومهمة عندما نصل إلى قناعات تثبت روابطنا، بدلاً من تشتتنا.
فالذين أساءوا لنا من داخل الحزام الإسلامي، أكثر من الذين هم خارجه، والأمثلة كثيرة، فعندما يذهب بعض المهاجرين المسلمين في الغرب إلى محاولة كسر قوانينهم الاجتماعية فهم يساعدون الجبهات العنصرية على أن تجد الأعذار بما فيها عزلة المسلمين هناك، والحديث يطول عن الداخل الإسلامي الذي وسّع دائرة التقاتل باسم المذهب والقومية، لتتكاثر المليشيات على حساب وحدة الدين والوطن ونحن في هذه الفوضى المعتمدة على العاطفة أكثر من العقل يُفترض أن نخرج من حصار المفاهيم الخاطئة والتقويم الأكثر تطرفاً إلى مبادئ التسامح والحوار، وحتى نخلق من الحج الفرص التي تمنحنا السعي للمصالحة مع أنفسنا ومع الغير، فعلينا أن نشرَع من خلال استراتيجيات تتعاضد فيها الدول مع العلماء وكل الطبقات الواعية والمدركة لواجباتها لأن نؤسس لعمل يقودنا إلى بر الأمان بدلاً من تهور الإرهابيين وغيرهم.
