صادف وإنني كنت في الإمارات عندما اشتعل غضب ضد عضو في لجنة حقوق الإنسان الإماراتية، إزاء التقرير والوثائق التي ضبطت معه ولها علاقة بالعمالة الوافدة، وبعضهم قال أكثر من ذلك حول الصور والوثائق، غير إنني حاولت أن أتلمس عبر المقالات المنشورة بالضبط ما هي طبيعة تلك الوثائق فلم أصل إلى الدقة والموضوعية.
بل ولاحظت أن الكثيرين كتبوا عن الموضوع ولكنهم لم يقرأوا بأنفسهم تلك المضبوطات ولم تنشرها وسائل الإعلام، بقدر ما كتب عنها بشكل متباين من شخص إلى آخر، خاصة وسط النخبة المثقفة والصحافيين بلغ درجة انفعالية عالية وهياجا استثنائيا فوجدتها ظاهرة سلبية.
إذ وظف الإعلام بشكل ساهم بتضخيم الموضوع قبل أن تنتهي لجنة التحقيق من نتائجها، لكي تأخذ المسألة طريقها للقضاء فيما لو احتاجت لذلك، وكان أفضل عمل قامت به وزيرة الشؤون الاجتماعية هو تشكيل لجنة التحقيق.
فبذلك تؤكد الوزيرة أن الإمارات بالفعل تهتم بحقوق الإنسان لمواطنيها فلا يتم تقديم شخص إلا بعد الانتهاء من لجنة التحقيق وتتضح معالم ودوافع تلك الوثائق والتقارير والصور، بينما بلغت مجموعة من الأقلام الصحافية من الانفعال حداً وكأنها تتبارز في الوطنية والولاء أكثر من الآخرين، بعد أن أطلقت الرصاص على المتهم قبل محاكمته.
ما كتبه الجميع صب في جوانب بعيدة فلم أرها تناقش بهدوء الأخطاء التي ارتكبها عضو اللجنة من سلوكيات نقابية ومهنية، تعكس خبرته الضحلة في ميدان العمل الحقوقي والمدني، خاصة في مجال حقوق الإنسان التي بالرغم من حداثة تكوينها، لم تتمكن من تدريب وتأهيل الأعضاء بدورات تثقيفية في هذا المجال.
من هنا وقع العضو في فخ ربما نصبه له الآخرون دون علمه، اللهم هناك أجندة اجهلها سيبرزها التحقيق إما إثباتا أو نفيا، فلا يجوز تعليق ونصب المشانق في الميادين العامة للأفراد لمجرد أن مواطنا صار ابنا عاقا بين أهله، فكل تاريخ الإنسانية والقبيلة لا تخلع عن حضنها الأبناء إلا عندما يأخذهم الشطط إلى أقصى مدى من الاختلاف.
وبما إني عملت بعض الوقت في منظمة حقوق الإنسان، باعتبارها منظمة غير حكومية ngo فان خصوصية عمل منظمة حقوق الإنسان لها من المميزات والشروط المختلفة عن المنظمات النقابية والسياسية، فهي بكل بساطة تتميز ببعدها عن المواقف الإيديولوجية تماما، وتهتم بكل ما له علاقة بالانتهاكات والتجاوزات إزاء الحقوق المدنية والإنسانية في المجتمع في كافة المجالات.
غير أن جمعية حقوق الإنسان عليها أن تتمتع بشكل كامل بالحياد التام والموضوعية والدقة في الرصد والمتابعة، وتجميع المعلومات دون أن تنحاز لطرف ما. كما أن من شروط جمعية حقوق الإنسان أن لا تتدخل مع أي جهة من الجهات أن لم تقدم لها شكوى من الأفراد أو الجهات المعنية بحالة الانتهاك.
بعدها تتحرك الجمعية ـ وهي جمعية أو منظمة علنية في أنشطتها ولا تحتاج لعملها للف والدوران بقدر ما تتمتع بالشفافية والشرعية وان تكون مراكزها ومكاتبها في بلدها ـ إلا في حالة أنظمة استبدادية لا تسمح بقيامها - للجهة التي تم الشكوى ضدها لتسجل ملاحظاتها.
وبعد الاستماع لطرفي النزاع والخلاف تحاول الجمعية حل المشكلة وديا، وفي حالة الانسداد يتم رفعها للجهات القضائية، لهذا ليس من وظيفة جمعية حقوق الإنسان التدخل تعسفيا في شؤون لم يتم استدعاؤها من الطرف المنتهكة حقوقه.
أيا كانت هذه الحقوق سياسية ومهنية ومدنية وثقافية وبيئية وغيرها، وإذا ما تم تحرك تلك الجمعية فعليها أن توثق المعلومات على أساس من الحياد والموضوعية بحثا عن الحقيقة وتقديم الحلول، فهي جهة استشارية وليس تنفيذية أو قضائية، وتضع التصورات والتسويات والتي ليست من صلاحياتها تنفيذيا.
ومن المعروف أن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان المعروفة في العالم، عندما ترغب في كتابة تقاريرها السنوية عن بلد ما تستقي معلوماتها من مؤسسات دولية تابعة للأمم المتحدة، مثلما تقوم بنفسها بالاطلاع ميدانيا على الوضع.
فهي تتلقى أحيانا تقارير من منظمات حقوقية عدة في بلد ما، ولكنها لا تعتمدها إلا بعد استيفاء تحقيقها كاملا وإلا فقدت مصداقيتها' معتمدة على رصد الظواهر والأحداث المسنودة بالأرقام والوقائع، إذ عادة ما تكتب منظمات حقوق الإنسان ـ وفي بعض البلدان توجد دزينة منها وليس واحدة لسنا في مجال مناقشتها ـ تقاريرها اعتمادا على موظفيها ونشطاءها المختصين في هذا المجال.
وإذا ما حضرت أية جمعية أو منظمة من منظمات حقوق الإنسان في بلد ما اجتماعا أو مؤتمرا، فليس معنى ذلك أن المنظمات الدولية المعروفة تقبل بكل ما تقوله تلك الجمعيات لمجرد كونها جاءت بخلفيات فكرية مختلفة أو كونها معارضة سياسية أو كتبت جملا حماسية انفعالية عن الانتهاكات والتجاوزات، فلدى تلك المنظمات الدولية خبرتها الطويلة ووسائلها وأدواتها في هذا المجال وقراءتها القانونية والحقوقية.
وبما أن المنظمات الدولية باتت تهتم بالأرقام والحقائق الموثقة ـ وليس بالضرورة أن تكون صورا أو وثائق سهل الحصول عليها، وإنما شكاوى متراكمة من المتظلمين الواقع عليهم موضوع الانتهاكات.
ما وجدته في الحالة الإماراتية ليس إلا موضوعا يرتبط بانتهاكات سوق العمل بين القطاع الخاص، خاصة قطاع المقاولات والعمالة الوافدة، وليست الحكومة ولا النظام السياسي طرفا فيه لكي يفهم أصحاب الأقلام الوطنية أن الإمارات تم الإساءة لها، متناسين أن هذه الدولة وشعبها ليسا بهذه الهشاشة وتلك السهولة، لكي يفزع البعض بتلك الصورة وتنتقل الحالة من حجمها الطبيعي إلى حالة التضخيم.
وبما أن القطاع الخاص هو جزء حيوي من المجتمع المدني وجمعية حقوق الإنسان كذلك، فان تقديم التقارير والشكاوى ـ شريطة أن يستدعي الطرف المنتهكة حقوقه الجمعية المعنية بهذا الوضع ـ لها يتم بعد التدقيق من الجمعية فترفعها إلى جهة رسمية مرتبطة عملها بالموضوع المعني، وإذا لم تتوصل الأطراف الثلاثة أرباب العمل والعمال والوزارة لحل مرض يتم نقل المشكلة إلى القضاء.
وهذه الظاهرة طبيعية في كل دول العالم ولا تمس بمكانة الدول وأنظمتها لا من بعيد ولا من قريب، خاصة وان الدولة من جهتها احترمت الاتفاقيات الدولية والمواثيق ودققت في شروط العمل وظروفه واتفق الطرفين على عقد واضح، وهناك ممثلية تمثل تلك العمالة ترتبط بعلاقات دبلوماسية يتم من خلالها معالجة القضايا بهدوء.
ولكن إذا ما انتهك مقاول حقوق عماله أو مقاول بالباطن، فهو أول ما يتسبب في الإساءة لبلده إما جهلا أو جشعا من اجل أرباح عاجلة ويضع بلاده سياسيا تحت المجهر العالمي، فيقوم المتربصين ببذر دوافعهم. فلماذا يقدم مقاولنا الوطني ورقة تسيء لبلاده مثلما يقوم عضو في جمعية حقوق الإنسان بالتدخل في شأن ليس من تخصصاته.
فالعمال المنتهكة حقوقهم لديهم قنوات عدة معنية بالدفاع عن مصالحهم، أولها ممثلية بلادهم كونهم مواطنيها وثانيا النقابات المهنية في بلادهم وهي المعنية بنقل تقاريرها عن وضع عمالتها في الخارج إما لبرلماناتها أو لحكوماتها لمناقشتها أو لمنظمات دولية معنية بهذا الشأن ومرتبطة بالأمم المتحدة.
ما وقع فيه صاحب التقرير المشؤوم هو التدخل في شأن لم يتم استدعائه إليه، فكان عليه الالتفات للانتهاكات المعنية بمواطنيه ومناقشتها مع الجهات المعنية كالمجلس الوطني أو الوزارات المختصة باعتبار أن جمعية حقوق الإنسان جسرا وسيطا محايدا لجميع الجهات المتنازعة. وكما يقولون الهدوء والحكمة سيد المواقف فدعونا نهدأ قليلا حتى لحظة الانتهاء من التحقيق. وبعدها ننظر، هل نحن بحاجة إلى استخدام المدفع أم الكلمة النصوح.