لقد بلغ التيار الديني القمة في صعوده، ولا يمكنه البقاء فيها طويلاً إذ لابد من الهبوط وهي المرحلة القادمة، لقد وصل التيار الديني الشيعي في إيران إلى السلطة في نهاية السبعينات، وحكم طالبان القاعدة أفغانستان في التسعينات كما حكم التيار الديني السني (الترابي) في السودان في التسعينات.
وحكم حزب الدعوة الشيعي في العراق بعد سقوط نظام البعث 2003م حتى الآن، ثم حكم حماس الأخوان في فلسطين في الماضي القريب، وسميت حرب حزب الله في جنوب لبنان صيف 2006م بالانتصار، ونجح الأخوان المسلمون في انتخابات مصر والكويت النيابية مؤخراً.
وتمرد تنظيم فتح الإسلام في شمال لبنان صيف 2007م، ونجاح جماعة الإنقاذ الإسلامية في انتخابات الجزائر قبل ثلاثة أعوام وصدامها مع الجيش، ونجح حزب الإصلاح الإسلامي في انتخابات البرلمان اليمني، وسيطرت المحاكم الإسلامية في الصومال لفترة وجيزة في صيف 2007م، وتمكن التيار الديني من فرض منع الاختلاط بين الجنسين في بعض الجامعات العربية.
كما انتشر لبس الحجاب عند النساء، وامتلأت المساجد واتسع وانتشر نشاط العمل الخيري الإسلامي للجماعات والأحزاب الدينية، السؤال وماذا بعد هذا المد الديني؟ يعتبر التيار الديني تلك الحالة مكاسب ونجاحات.
كما يعتبرها هزيمة للتيارات الأخرى بيد أنه فعليا يواجه خللا ومعضلة في داخله وخارجه، فالتحديات كبيرة في الداخل وخطيرة في الخارج، وان إصرار قادته على نهجهم برفض الآخر واحتكار المؤسسات سيوقعه في صدام مع نفسه ومع الآخر.
كما ان منطق العصر اليوم يرفض وبشكل قاطع قيام الدولة الدينية، المشكلة تكمن في ان هذا التيار يريد الحفاظ على مكاسبه واستمرار أطروحاته وهذا يعني مواجهة القوى والتيارات الأخرى وأكثر من ذلك القوى الخارجية التي لها مصالح استراتيجية في الدول العربية والإسلامية فماذا عساه يفعل؟!
نتيجة لهذه الحالة نرى الاضطراب وغياب البرنامج والمشروع والخلل والصراع هنا وهناك بين أجنحة التيار الديني وبينها وبين التيارات الأخرى، وقد يكون ذلك مؤشرا على بداية الانحدار والهبوط وهي حتمية تاريخية لكل من صعد إلى قمة الهرم لابد ان ينزل منه مهما طال الزمن.
لقد بدأ الناس وخاصة المثقفين والواعين من داخل التيار الديني ومن الآخرين يدركون الحقائق من خلال الممارسة التي يضطلع بها عناصر وقيادات في التيار الديني من فساد في الممارسة الإدارية، الى اختلاسات في عدد من مؤسسات العمل الخيري والى دور ملتبس لنشاطات بعض البنوك الإسلامية، والى ممارسات مسؤولين من ذلك التيار في مؤسسات دولنا ووزاراتها إلى أموال بيوت الزكاة في المنطقة، إلى التلاعب أحيانا في أموال التبرعات وذهابها إلى غير المحتاجين بل بعضها تذهب إلى عمليات إرهابية للمتطرفين في بعض دولنا.
كما اكتشف عدد كبير من الناس التناقضات بين طرح الأفكار والمشاريع ذات الصبغة الدينية الشرعية وبين الممارسة العملية لبعض المسؤولين، وبعض ممثلي التيار الديني في المؤسسات التمثيلية الشعبية أو الحكومية، فهم كانوا يرفضون الدستور والبرلمان والانتخابات بحجة أنها بدعة ليبرالية علمانية غربية، ثم يقبلونها ويمارسونها ويجدون التبرير والفتاوى لهذا الانقلاب في التفكير والموقف.
وهم يرفضون حقوق المرأة السياسية ودخولها البرلمان انتخابا وترشيحا، وهم أول من يعمل وسط النساء لكسب أصواتهن في الانتخابات. يريدونهن مخفرات في البيوت للخدمة والتفريخ ثم يجلبونهن جماعات لانتخابات اتحادات الطلبة والجمعيات التعاونية والمجالس البلدية والبرلمانية!
يتكلمون عن مثاليات ونقاء الملائكة لكن عدداً منهم لا يواصلون على الدوام في الوظائف العامة، وأن عدداً منهم يتوسط في أمور مخالفة للشرع والقانون مثل: محاولة مساعدة مرتكبي جرائم مخدرات أو غيرها، أو التدخل لتغيير درجات وتقديرات الطلبة في المدارس والجامعات، أو يتوسط لتنصيب زملاء لهم في نفس التيار في مناصب قيادية ذلك لأسباب فئوية أو سياسية أو قبلية أو دعوية.
كل ذلك باعتقادهم يقود إلى كسب شعبي للتيار الذي يمثلونه وكثير من الناس من يصدق مع الأسف بأن ذلك للمصلحة. إنك يمكن أن تعرف ذلك بسهولة عندما يصل أحد من التيار الديني إلى موقع قيادي في مؤسسة ما ترى بعد فترة وجيزة قد زرع أنصار تياره في كل جهة وموقع في المؤسسة التي يحتل موقعاً مؤثراً فيها وذلك لا يحتاج إلى برهان وعناء.
إننا نعيش هذا الواقع ونرى ونسمع عن الكثير من تلك الممارسات التي تحتاج إلى مجلدات لاستعراضها لكن لسنا بصدد حصرها بل ذكر أمثلة عليها. وقد يقول البعض إننا بشر وهناك استثناءات للقاعدة ولكن أيها السادة إن التيار الديني يطرح نفسه أنقى النقاء وأتقى الأتقياء فكيف نفسر الآتي:
أحدهم كان يعمل في وظيفتين قياديتين مع أن قانون الخدمة المدنية يمنع ذلك!
وأحدهم تلاعب في صفقات في البلدية وهرب وألقي عليه القبض في إحدى الدول الخليجية وأعيد وأودع السجن وكان إدارياً كبيراً، وأحدهم كان يساعد الطلبة في التسجيل ويمنحهم التقديرات العالية في الجامعة لأنه كان يخطط لخوض الانتخابات البرلمانية.
وأحدهم قد كان يغش في الامتحان ونسي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «من غشنا فليس منا» وأحدهم يتغيب عن الدوام في وظيفته باستمرار ويمارس عملاً حراً في مكان آخر، وأحدهم عندما تبوأ مركزاً قيادياً في مؤسسة علمية قام بتعيين أنصار تياره في مواقع قيادية بدون أخذ المعايير العلمية والموضوعية بعين الاعتبار.
وأحدهم ينتقد التيارات الأخرى في عدم موضوعيتها بإشراك ممثلي التيارات الدينية في المؤتمرات والندوات ولجأ هو إلى إقصاء الآخرين عن مؤتمرات أشرف على تنظيمها!
وإذا أردنا أن نحصر ونعدد الممارسات لأفراد وقيادات في التيار الديني كذلك فهناك الشرفاء وأصحاب المبادئ والموضوعيين منهم، وقد يردون على أن مثل تلك الممارسات التي ذكرناها ليس حصراً على أفراد أو أقطاب في التيار الديني بل يقع فيها آخرون ومن جميع التيارات نعم لكن التيار الديني يصف نفسه بأطهرها وأفضلها وأن الوازع الديني لديه يمنع أفراده من الشطط والخطأ الفادح!
لابد من التفريق بين الدين الإسلامي الحنيف ومبادئه وجوهره لخير الإنسان، وممارسات بعض المتأسلمين باسم الدين، فكيف نفهم قتل الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ بعمليات انتحارية إرهابية تسمى جهادية والدين الإسلامي الذي يقول (من قتل نفساً كأنما قتل الناس جميعاً)؟
الأمر يحتاج فعلاً إلى صحوة حقيقية جديدة وإلى حركات إصلاح ديني، وبدون ذلك فإن مصير التيار الديني لن يكون بأفضل من مصير التيارات الأخرى التي كانت لها القوة والسيطرة في فترات من تاريخ العرب الحديث والمعاصر ثم تدهورت أوضاعها، فهي الآن قد بلغت أقصى ما تتمناه وأقصى ما يمكن أن تحققه وستبدأ أو بدأت رحلة العودة والهبوط وقد تأخذ وقتها ولكنها سنة الحياة آتية لا ريب فيها.
كاتب كويتي
