يخطئ من يظن أن الأحداث التاريخية المأساوية التي أنجبت القرار الدولي لتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية، قد أيقظت مشاعر الغضب الحقيقي لدى حلفاء العرب السابقين في ما كان يعرف بأوروبا الشرقية، أو أنها شكّلت صحوة الضمير المفترضة لدى من استلم السلطة بعدهم خلال العهد الديمقراطي الحالي.

فالمواقف التي صدرت بمناسبة هذه الذكرى كرّست ما كان سائدا بين بعض الأوساط حول الدور السلبي الذي لعبته أنظمة وشعوب هذه المنطقة في زرع فكرة «العودة المظفّرة لليهود إلى أرض الميعاد»، وأعادت إلى الأذهان تفاصيل مثيرة للدور الذي لعبته لإعلاء شأن المهاجرين اليهود وتعزيز قوتهم العسكرية لتصبح لاحقا القوة الرادعة الوحيدة في المنطقة.

وانطلاقا من الحقائق التاريخية ذات الصلة، لا يجب أن نسمح لأنفسنا بأن نضيع في رومانسية الدفء الذي ساد بين أنظمة أوروبا الشرقية بطابعها الشيوعي من جهة، وبعض العالم العربي المناضل من جهة أخرى.

حيث يتبيّن اليوم بعد دراسة متأنية للوضع الذي كان سائدا، بأن التحول الجذري الذي شهدته مواقف تلك الدول بانحيازها المفاجئ إلى الجانب العربي في صراعه مع إسرائيل، لم يكن نابعا من قناعة مؤمنة بحقوق الشعب الفلسطيني المظلوم، بل كان منطلقا من الاعتبارات الكثيرة التي فرضتها الحرب الباردة واستدعت تقسيم العالم بين قطبي الصراع في تلك الفترة.

وقد يستغرب البعض أن الأنظمة الشيوعية التي نتحدث عنها والتي استلمت زمام الحكم في أكثر من دولة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، ساهمت بشكل مباشر وفعّال بتكريس الحركة الدبلوماسية التي هدفت لتقسيم فلسطين، وكانت أول من اعترف بدولة إسرائيل الناشئة حديثا.

لكن هذه الأنظمة قامت لاحقا بوضع كل التفاصيل المرتبطة بهذه التحولات التاريخية تحت غطاء كثيف من التنظير الإيديولوجي وغيّرت بقدرة قادر خطابها السياسي إرضاء للتحالفات الجديدة الآخذة بالظهور على خارطة الأحداث العالمية.

واليوم، بعد كل هذه الأعوام الطويلة، يطل علينا بعض منظري العهد الجديد في أوروبا الشرقية ممّن يصرّون على الانتماء الغربي لدولهم، ليفتحوا لنا آفاقا جديدة تساعدنا في فهم الواقع الذي كان قائما في تلك الحقبة القاتمة من تاريخ الشعب الفلسطيني، وليكشفوا من خلال فخرهم غير المصطنع، بعض الحقائق عن المساعدات الضخمة التي كانت تقدم لليهود من أبناء أوروبا الشرقية ممّن قرروا الهجرة إلى أرض الميعاد هربا من الآثار العميقة التي خلّفها الواقع الفاشي الأوروبي في أوطانهم الأصلية.

قبل أيام استعرض بيتر بيتهارت نائب رئيس مجلس الشيوخ التشيكي مآثر بلاده ابان تلك الحقبة، مشيرا بنفس الفخر إلى أن تشيكوسلوفاكيا التي استلم الشيوعيون الحكم فيها خلال العام 1948 ترأست في تلك الفترة اللجنة الدولية المكلفة بمراقبة إنهاء الاستعمار البريطاني والمساعدة في رسم حدود دولة إسرائيل.

ولم ينس في هذا الإطار تذكير الرأي العام المحلي، بأن الدولة الناشئة حديثا اضطرّت منذ لحظات وجودها الأولى لمواجهة «عدوان» الدول العربية، فبرزت حسب رأيه معادلة عسكرية غير عادلة تمثّلت بالمواجهة التي نشأت بين بضعة آلاف من الثوار والجنود اليهود المتحمسين مقابل عشرات الملايين من الجنود والمواطنين العرب.

ما يهمّنا في هذا السياق هو المقاربة التي قدّمها بيتهارت وغيره لتبيين أوجه الشبه بين مصير الدولة اليهودية وبعض دول أوروبا الشرقية، والتي يتبيّن منها الكثير من العبر التي قد تكون ضرورية لفهم الواقع السياسي الحالي لورثة تلك الدول، باعتبارها لا تزال حتى بعد مرور هذه الأعوام الطويلة، الثغرة الرئيسية التي ينفذ من خلالها الحلم الصهيوني إلى الواقع العملي.

فالحقائق التاريخية تؤكد لنا، أن تورط تلك الدول والأنظمة في خلق الواقع الجديد لمنطقة الشرق الأوسط لم يكن وليد الصدفة أو مجرد انعكاس تعاطفي مع آثار الحرب العالمية الثانية وما شهدته من اضطهاد وقمع لليهود.

بل نتيجة تراكمات عاطفية وتضامنية كثيرة عبّرت عنها شخصيات سياسية مرموقة مثل أول رئيس تشيكوسلوفاكي توماش ماساريك، الذي يقول عنه بيتهارت إنه كان أول رئيس دولة يقوم بزيارة فلسطين خلال العام 1927 لكي يعبّر عن تعاطفه مع مطالب اليهود بإنشاء وطن خاص لهم في أرض الميعاد. والأمر الذي أثار اهتمامي هنا.

هو أن ماساريك قام بهذه الزيارة بعد تسعة أعوام فقط من نشوء الدولة التشيكوسلوفاكية، وأظهر إلماما كاملا بمبادئ الحركة الصهيونية وأهدافها وأحلامها، لا بل قام وبالممارسة العملية بمساعدتها على تحقيق أهدافها. لا عجب إذا أن نكتشف لاحقا بأن بعض اليهود قرروا تكريمه من خلال إطلاق اسمه على واحد من الكيبوتسات الذي بات يعرف بكفار ماساريك.

وانطلاقا من هذه الواقعة التاريخية الموثقة، يسرد لنا الأرشيف العسكري التشيكوسلوفاكي وغيره، وكذلك بعض السياسيين المفتخرين بانجازات بلادهم لصالح دولة إسرائيل مثل بيتر بيتهارت، أن نواة الوحدات العسكرية اليهودية التي تم تشكيلها ابتداء من العام 1939 في فلسطين، كانت من اليهود القادمين من تشيكوسلوفاكيا.

وإن دلّ ذلك على شيء فهو يدل على أن الحركة الصهيونية العالمية كانت تنشط في المجال العسكري بأشكال مختلفة وضمن غطاء الجيوش الرسمية قبل انطلاق الحرب العالمية الثانية وليس كرد فعل على نتائجها، وهذا، بالإضافة لمغزاه الاستراتيجي، أكسبها قدرة عسكرية هائلة لا يستهان بها، في وقت كانت فيه جيوش العرب غير قادرة على الدفاع عن الأرض.

المثير في هذه المعلومات أنها تكشف سلسلة من الحقائق التي تبيّن الدور الذي لعبته الأنظمة الشيوعية السابقة، والتي تمادت في مرحلة تاريخية لاحقة بإقناعنا بصدق تعاطفها مع قضايانا الوطنية.

فقد تبين خلال الأعوام 1947 و 1949 أبّان عهد الرئيس الشيوعي العمّالي الأول كليمينت غوتفالد، أن تشيكوسلوفاكيا خرقت الحظر الدولي المفروض وزودت الجيش الإسرائيلي الناشئ حديثا بطائرات حربية متطورة ومدافع ورشاشات مختلفة.

كما عملت المعاهد العسكرية التشيكوسلوفاكية على تدريب الطيّارين العسكريين الإسرائيليين ومنهم الرئيس الأسبق عزرا وايزمان الذي كان يصرح بفخر كلّما يقوم بزيارة رسمية إلى تشيكيا، أنه لولا السلاح التشيكوسلوفاكي والشرقي عموما، لكانت إسرائيل قد فشلت بالدفاع عن استقلالها.

أمام هذا الواقع نقف لنستعرض تفاصيل الحاضر الذي بات يذكّرنا كثيرا بمساهمات هذه الدول في صنع تاريخنا الأليم حقا. ونأخذ مثالا جديا على ذلك ما تحمله أحيانا التصريحات التي يطلقها مسؤولون حاليون من انحياز واضح لصالح الطرف الإسرائيلي ضد العرب، في وقت يزعمون فيه أن دولهم تتبنى سياسة حيادية حيال الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

فلنأمل على الأقل بأن يتمكن الاتحاد الأوروبي من استيعاب هذه الدول ضمن فلك منطقه السياسي والديمقراطي، لأنه لو فشل في ذلك لتمكن بعض المتفاخرين في أوروبا الشرقية من القضاء على ما تبقى من هذا المنطق.

كاتب لبناني