بعد كل الذي لاقته المواقف والسياسات الأميركية من إخفاقات جلية في المنطقة، ولاسيما في العراق وفلسطين ولبنان، هل من الممكن القول: إن هناك بوادر تبدل في توجهات إدارة بوش؟ سؤال يطرح بالفعل في الدوائر السياسية والأوساط الإعلامية، ويكثر الحديث عنه في هذه الأيام دون تقديم إجابات وافية.
ومع ذلك، ما يبدو على أرض الواقع يشير بوضوح إلى أن لا تبدلات حقيقية في السياسات الأميركية، وأن إدارة بوش تتعامل مع ملفات المنطقة بالعنجهية ذاتها، وبما يؤدي إلى الإبقاء على الأوضاع ملتهبة، وربما أكثر التهاباً بقصد التغطية على المشروعات الأميركية الأكبر المدرجة في مخطط الشرق الأوسط الأوسع بما يحمله ويهدف إليه من تقسيم للدول، وإلغاء للهويات، وسيطرة مباشرة، ونهب للثروات.
إذاً لا تغيرات حقيقية في سياسات إدارة بوش على الرغم من أنها وصلت إلى السنة الأخيرة من ولايتها الثانية، مع ما يحمله ذلك من افتراضات بالعمل على تحسين ليس صورة أميركا الخارجية فحسب بل وضع الحزب الجمهوري الحاكم الذي تهوي شعبيته بشكل متسارع على مرأى ومسمع أركان إدارة بوش.
وعليه فالسؤال الذي لا بد من طرحه هو: لماذا لا تريد إدارة بوش الاستفادة من نتائج اندحاراتها العسكرية والسياسية في المنطقة على الأقل، ومن ثم العودة عن أخطائها، واعتماد سياسات جديدة كان يجب أن تعتمد منذ البداية؟ والجواب في رؤوس المحافظين الجدد، وعلى رأسهم ديك تشيني، الذين يوالون مصالحهم الشخصية وارتباطاتهم الصهيونية أكثر مما يوالون وطنهم: أميركا.
هؤلاء المحافظون الجدد من ذوي الرؤوس الحامية لا يتركون مكاناً في الإدارة للعقلانية السياسية، ولا يفسحون المجال أمام أي تهدئة لملفات المنطقة بدءاً من العراق، إلى فلسطين ولبنان.
العراق في نظرهم ليس أكثر من قاعدة عسكرية، ومن منبع للنفط الذي يجب أن يكون تحت سيطرة احتكاراتهم النفطية، وفلسطين مكان لقتل العرب والتنكيل بهم، وإفساح المجال أمام تثبيت الاحتلال الاسرائيلي، وتدعيمه، وتمكينه من الاستمرار في تنفيذ مخططاته. أما لبنان فيريدونه حقل تجارب لسياساتهم ومخططاتهم في المنطقة، ويريدونه أداة من أدواتهم التخريبية، وهذا يقتضي أن يظل غير مستقر.
لهذه الأسباب يمكن الجزم أن لا بوادر تبدل في مواقف وسياسات إدارة بوش تجاه المنطقة.
