عندما تم تأجيل اجتماع مجلس النواب اللبناني في المرة الأولى في أواخر الشهر الماضي رحب الكثيرون بهذا التأجيل من منطلق انه يتيح فرصة ومتسعا من الوقت للفرقاء اللبنانيين لتسوية الخلافات والتوصل الى التوافق المطلوب لكي يتم انتخاب رئيس للبنان خلفا للرئيس اميل لحود الذي غادر قصر بعبدا في 23 نوفمبر الماضي، ومع الوضع فى الاعتبار ان جهودا عديدة ومخلصة بذلت من جانب جميع الاطراف اللبنانية تقريبا، إلا انه من الواضح ان عمليات التأجيل التى استمرت لثماني مرات متتالية، تخوفا من عقد اجتماع لمجلس النواب يكون هو في حد ذاته مشكلة أخرى بين الاكثرية والمعارضة، تبدو وكأنها جزء من حلقة مفرغة اصبح لبنان يدور فيها دون القدرة من جانب الطرفين المتصارعين على كسرها أو الخروج منها بتوافق ينتظره اللبنانيون والعرب المحبون للبنان .

ثم جاءت الجريمة النكراء المتمثلة في اغتيال العماد فرانسوا الحاج مدير عمليات الجيش اللبناني لتزيد من تعقيد الاوضاع اللبنانية. ليس فقط باغتيال احد ابرز قادة الجيش اللبناني والذى كان مرشحا- العماد فرانسوا الحاج - لخلافة قائد الجيش العماد ميشال سليمان عندما يتولى منصب رئيس الجمهورية، ولكن ايضا لتعمد اعادة خلط الأوراق بشدة، وهو ما تشير إليه بعض المؤشرات التي تطفو الآن على الساحة اللبنانية على نحو أو آخر.

وفي الوقت الذي اتسم فيه موقف الجيش اللبناني بالمسؤولية ، حيث دعا الجيش الى الالتقاء والمصالحة الوطنية دون شروط أو حسابات أو فرض قيود، فانه كان من المأمول ان تدفع جريمة الاغتيال البشعة مختلف الاطراف اللبنانية الى الالتقاء عند مصلحة لبنان المتمثلة الآن فى الاسراع بالاتفاق على آلية تعديل الدستور اللبناني وانتخاب العماد ميشيل سليمان لمنصب الرئيس وانهاء حالة الشغور في هذا المنصب الرفيع لتعود الأوضاع اللبنانية الى حالتها الطبيعية وحتى يمكن مواصلة السير فى الخطوات الأخرى اللاحقة لانتخاب رئيس الجمهورية بتوافق الأكثرية والمعارضة فى لبنان.

وبغض النظر عن استنكار كل الاطراف اللبنانية لجريمة اغتيال مدير عمليات الجيش اللبناني، وبعيدا عن توجيه الاتهامات الى طرف أو آخر، فانه من المثير للقلق ان يتحول حادث الاغتيال البشع الى سبب اخر لتصعيد الخلافات، وحتى النكوص عما كان قد تم الاتفاق عليه بين الاكثرية والمعارضة، بل والبحث عن عناصر خلاف أخرى وإعادة طرحها حتى تستمر الحلقة المفرغة، وحتى لايتم كسرها والخروج منها برغم جريمة الاغتيال التي استنكرها الشعب اللبناني وكذلك المجتمع الدولي، والتي طلبت السلطات اللبنانية مساعدة الأمم المتحدة في التحقيقات الخاصة بها.

ومع الوضع في الاعتبار ان هناك تصريحات لبعض القيادات اللبنانية المؤثرة تثير في الواقع قدرا غير قليل من القلق بشأن مايمكن ان تؤول اليه الأوضاع فى لبنان، فانه برغم الحاح الحاجة الى العودة للحوار بين الاكثرية والمعارضة وبإرادة للوصول الى توافق وطني، فان انسحاب رئيس مجلس النواب اللبناني من الحوار الوطني، وايا كانت الحجج التى طرحها سببا لقراره، لايمكن ان يساعد فى كسر الحلقة المفرغة التي يدور فيها لبنان، بل انه قد يساعد فى تصعيد الخلافات وتبادل الاتهامات بين الاكثرية والمعارضة.

ويزداد الأمر تعقيدا بتفويض المعارضة للعماد ميشال عون للتفاوض باسمها مع الاكثرية للوصول الى توافق وطني. ومعروف ان العماد عون يتحمل جانبا على الاقل فى استمرار الحلقة المفرغة عبر تصميمه على مناقشة قضايا سياسية وتسويتها كجزء من صفقة الاتفاق بين الأكثرية والمعارضة، بعد ان تم التوافق على اختيار العماد ميشال سليمان ليتولى منصب الرئيس بعد تعديل الدستور. كما عاد العماد عون لطرح مبادرته التي كان قد تم تجاوزها. على أية حال فان قلقا متزايدا حيال لبنان تشعر به أطراف عديدة في ضوء تطورات وتصريحات ووعيد بعض الاطراف بشكل مباشر أو غير مباشر. فهل يجتمع مجلس النواب اللبنانى اليوم كما هو مقرر له ؟