شهدت المنطقة العربية العديد من التجمعات الإقليمية، ضمنها مجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي (الجزائر وليبيا وتونس والمغرب وموريتانيا)، والاتحاد الرباعي (مصر وسوريا وليبيا والعراق).
ولكن مجلس التعاون الخليجي وحده، من بين المنظومات الإقليمية الأخرى استطاع الاستمرار، فالاتحاد الرباعي سرعان ما اختفى، أما الاتحاد المغاربي فهو يعاني الخلافات والتباينات السياسية بين الدول المشاركة فيه، ما يحد من إمكان استمراره وتطوره.
لكن ما يميز مجلس التعاون الخليجي ليس كونه مستمراً فقط، منذ سبعة وعشرين عاماً، فالأهم من الاستمرار هو أن دول المجلس تسير حثيثاً باتجاه التكامل والاندماج الاقتصادي، في مختلف المجالات،
وهو ما توّج أخيراً بالتأسيس لنوع من المواطنة الاقتصادية لمواطني دول الخليج الست، من خلال الإعلان عن قيام السوق الخليجية المشتركة، الأمر الذي يقود في المستقبل، ربما، نحو مواطنة خليجية، في دولة اتحادية: فيدرالية أو كونفيدرالية.
وما ساعد مجلس التعاون الخليجي على الاستمرار والتطور، في هذا الاتجاه، عدة عوامل: ضمنها: أولاً، إدراك قادة دول الخليج لأهمية تشكيل كتلة اقتصادية، في عالم التكتلات الاقتصادية الكبرى. ثانياً، اعتبار المدخل الاقتصادي التدريجي، لا المدخل السياسي،
هو المدخل الأنسب لتحقيق التكامل والتعاون على مستوى الدول الخليجية، فالوحدة هنا لا تسير على عجلة الشعارات والتمنيات وإنما على عجلة المصالح الدولية والمجتمعية والفردية، المتبادلة. ثالثاً، التمييز بين القضايا السياسية (حتى الخلافية)، وبين ضرورات التكامل والتعاضد والتوحد في المجالات الاقتصادية (البنى التحتية والاستثمار والتجارة وتنمية الموارد البشرية).
رابعاً، النأي بدول الخليج ما أمكن عن الغرق في القضايا السياسية، على حساب هموم المواطن الخليجي، وعلى حساب أولويات الارتقاء الاقتصادي، وتنمية المستوى المعيشي والعلمي والتقني، من دون أن يعني ذلك إدارة الظهر للقضايا القومية، وعلى أساس أن استقرار ورقي الدول هو الذي يمكنها من احتلال مكانة أفضل في عالم السياسة، ويمكنها من تقديم الدعم للقضايا العربية.
خامساً، استثمار قادة الدول الخليجية لواقع الوفرة المالية في دولها، وارتفاع أسعار النفط، في تدعيم مسار التكامل والتوحد الخليجي، بدل من هدر الإمكانيات في مجالات غير مجدية. سادساً، وعي الدول الخليجية لواقعها، بالنسبة لاعتماديتها على الريع النفطي،
وسعيها في مواجهة ذلك لتنويع مصادرة دخلها، وتنويع القاعدة الإنتاجية. وفي ذلك فقد رصدت دول مجلس التعاون مبالغ تصل قيمتها إلى 700 مليار دولار، للفترة المقبلة 2006 ـ 2010، لتنفيذ خطط طموحة لتحديث بنيتها الأساسية وخدماتها الاجتماعية.
وبحسب الإعلان، الذي صدر عن اجتماع قادة دول مجلس التعاون الخليجي (الدوحة 4 ـ 12)، فإن مواطني دول الخليج الست سيعاملون، في أي دولة من الدول الأعضاء، بدءاً من مطلع العام القادم، نفس معاملة مواطنيها، دون تفريق أو تمييز في كافة المجالات الاقتصادية، في العمل والإقامة والتملك والاستثمار (في مختلف القطاعات)، والتنقل (للأشخاص والأموال)،
وفي المعاملة الضريبية، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، والاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، وصولاً لمد مظلة الحماية التأمينية لمواطني دول المجلس العاملين في غير دولهم في أي دولة من الدول الأعضاء.
جدير بالذكر أن إقرار هذه التوجهات جاء بمثابة تتويج لمسار طويل خطته دول المجلس في سعيها لتوسيع وترسيخ وتعميق العلاقات الثنائية، ويأتي ضمن ذلك مشاريع التكامل في مجال البنية الأساسية، التي تتضمن مشاريع الربط الكهربائي، والربط المائي، وسكة الحديد، والبطاقة الشخصية أو الذكية (التي ستستخدم لتسهيل التنقل بين دول المجلس)،
وهيئة التقييس (المختصة بإصدار مواصفات خليجية موحدة)، ومؤسسة الخليج للاستثمار المعنية بالمشروعات والشركات العاملة في مجالات الطاقة والبتروكيماويات والصناعة المعدنية. كما يمكن أن نذكر في هذا المجال مسعى دول مجلس التعاون الخليجي للتطوير الشامل لنظام التعليم العام والعالي. والتركيز على التنمية الاقتصادية الشاملة وتنمية الموارد البشرية.
هكذا يمكن النظر إلى القرارات التي اتخذها اجتماع قمة دول مجلس التعاون الخليجي، التي عقدت مؤخراً في الدوحة، باعتبارها تشكل منعطفاً تاريخياً كبيراً، في مسار تطور وتوحّد الدول المشاركة في هذه المنظومة الوحدوية (السعودية، الإمارات، عمان، الكويت، قطر، البحرين).
لكن مسيرة مجلس التعاون الخليجي لم تكن خالية من المشكلات والتحديات، فالدول الخليجية تقع في منطقة جد مضطربة، من النواحي السياسية والاجتماعية، وهي محط اهتمام وتجاذب من قبل الدول الكبرى بسبب مخزونها من النفط والغاز، وهي على تماس مع قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي،
لأسباب قومية ودينية، وثمة في جوارها دولتان كبيرتان، لهما مطامح إقليمية، هما إيران والعراق، وثمة الآن الوضع المضطرب في العراق الناجم عن الاحتلال الأميركي، وعن تشظي الوضع العراقي.
على ذلك فثمة تحديات كبيرة ستساهم في تحديد مستقبل التعاون والتكامل بين دول الخليج الست، لعل أهمها يتمثل في التالي:
أولاً، التحدي الديمغرافي، حيث تمثل العمالة الوافدة (ولاسيما الآسيوية) أغلبية سكانية في بعض هذه الدول؛ وتقدر إحصائيات حجم العمالة الوافدة في بلدان الخليج العربي بحوالي 14 مليون عامل، منهم 2 مليون عامل فقط يحملون جنسيات عربية،
إلى درجة أن الدكتور مجيد العلوي وزير العمل في مملكة البحرين، حذر صراحة من أن «المنطقة قد تتعرض لتغيير «ديموغرافي كبير»، يهدد هويتها الثقافية والاجتماعية إذا فرضت اتفاقيات على المنطقة لتوطين العمالة الأجنبية». («الشرق الأوسط» 2005217.
ثانياً، تنويع مصادر الثروة. وهذه مسألة على غاية في الأهمية فالثروة النفطية مهما بلغت هي ثروة محدودة، بمعنى أنها تتناقص، وثمة محاولات لتنويع مصادر الطاقة في العالم. وفضلاً عن هذا وذاك فإن الدول الخليجية معنية بتنويع قطاعاتها الإنتاجية لمواكبة التطورات الدولية،
وتعزيز إمكانياتها الاقتصادية في مختلف المجالات، والتخفيف من اعتماديتها على الثروة النفطية، ويستحسن أن يكون ذلك بالاستخدام الأفضل والأجدى للعوائد المالية المتأتية من النفط، للاستثمار فتح قطاعات اقتصادية وإنتاجية أخرى.
ثالثاً، تطوير النظام السياسي، باتجاه دولة المؤسسات والقانون. بمعنى تحويل الدولة الخليجية إلى دولة قائمة على المشاركة والمواطنة، بكل معنى الكلمة، وهذه خطوة لا بد منها لتحقيق النقلة إلى دولة اتحادية أو دولة واحدة على مستوى الخليج.
رابعاً، لا يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تغفل عن واقع وجود دولة عربية، من دول الجوار خارج مجلس التعاون الخليجي، وهي اليمن، فعلى رغم كل منظومة الدعم والتعاون مع هذه الدولة، إلا أن هذا كله لا يغني عن ضرورة النظر بعين الجدية لإمكان انخراط اليمن في مجلس التعاون الخليجي، ولو بشكل تدريجي، خصوصاً أن اليمن تشكل سوقاً كبيراً، للاستهلاك ولليد العاملة كما للاستثمارات الخليجية.
هكذا فثمة مع الإنجازات العديد من التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي، ولعل هذه الدول في نجاحها في مجال التعاون والتكامل والتوحد المتدرج تشكل نموذجاً للدول العربية، بل ولعلها، أيضا، تكون بمثابة القاطرة التي تدفع باتجاه تعزيز التكامل الاقتصادي ومنظومات التعاون من المستوى الخليجي إلى المستوى العربي
كاتب فلسطيني