تعددت الآراء وتباينت حول تحديد طبيعة العلاقات التي تجمع أو تفصل بين مختلف ثقافات الشعوب وحضاراتها، فلقد ذهب البعض إلى إعطائها عنوان «صراع الحضارات»، بينما قال آخرون إن تلك العلاقات تعكس شكلاً من أشكال تواصل الحضارات وتبادلها بين التجمعات البشرية المنتشرة على امتداد الكرة الأرضية.

في حين يمكن التأكيد على واقع يفيد أنه كلما ابتعدت الثقافات عن المصالح الضيقة لفئة اجتماعية ما، كانت أقرب إلى التعريف الثاني، الذي ينطوي على خاصية جوهرية يوسم بها الإنسان بالفطرة، وهي التواصل مع الآخرين بحكم طبيعته الاجتماعية الأصيلة التي تسري في دمه.

بينما العكس صحيح، فكلما استُغلت الثقافات من قبل فئة اجتماعية ما، كانت أقرب إلى التعريف الأول، الذي تفوح منه رائحة نتنة مصدرها مصالح فئوية ضيقة لا تعكس إلا رغبات أصحابها، بعيداً عن الواقع الفطري للإنسان الذي ينشد التواصل مع الآخر ويطلب وده ويشاطره الحب والإخاء والتجربة.

ولم يعد خافياً على أحد أن أفضل إمكانيات العالم وأشدها وطأة، باتت حكراً على فئات اجتماعية بعينها قادرة على التحكم بمقاليد الأمور عن بعد وعن قرب على السواء، وذلك في إطار معادلة باتت بدورها مكشوفة للقاصي والداني تقول إن قلة من الناس يملكون معظم الموارد الاقتصادية في العالم،

بينما تنوء الأغلبية تحت وطأة الفقر والجوع والتخلف والصراعات المزمنة. هذه المعادلة بالذات أو القيمون عليها هم الذين يرجحون كفة هذا التعريف على ذاك، علماً بأنهم عادة ما ينزعون إلى ترجيح كفة صراع الحضارات على كفة تواصلها وتبادلها بين شعوب الأرض كافة.

وعندما يأتي كاتب أشهر من نار على علم بقامة البرازيلي باولو كويلو من أقاصي الدنيا، وهو بالمناسبة شخص غني عن المادة والمصالح الضيقة كما هو معروف، إلى مدينة دبي مراراً وتكراراً، ويقول إن في الشرق عموماً والعالم العربي على وجه الخصوص حضارة وثقافة استلهم منهما أعماله الروائية الأولى، التي جعلته يتربع على عرش الأدب العالمي، فلا شك أن الأمر يستحق عناء التوقف عنده،

وتأمل ما آلت إليه أوضاع هذا الشرق من ويلات لا تعرف درباً للنضوب أبداً، وطرح السؤال الكبير المتكرر المتعلق بالأسباب التي دفعت هذه المنطقة من العالم إلى أتون محرقة الثقافات وصهرها بحديد الدبابات، مشكّلة مادة فولاذية صلبة قوامها النزاعات والحروب والأحقاد والكراهية، وضيق أفق لا يرى أصحابه شيئاً بعيداً عن لغة المصالح الضيقة.

أما الإجابات فحدث ولا حرج، بدءاً بالمنزلق التاريخي الذي عانت منه شعوب المنطقة على يد مجموعة من القوى الاستعمارية المتعاقبة الخبيثة، التي لم تترك مظهراً حضارياً أو ثقافياً مهماً خاصاً بالمنطقة إلا ونهبته وادعته لنفسها وصمدته في أهم متاحف الغرب وداراته الكبرى التي تخص علية القوم،

مروراً ببيئة الانقسام والتشرذم التي خلفها ذلك التقليد الاستعماري القديم، وليس انتهاء باستيراد حروب الآخرين وخوضها على أرض شرق أنهك شعوبه شلال من الدم والمعاناة لم ينقطع منذ حين من الدهر.

لكن ثمة أحداثاً وفعاليات من نوع آخر تجري على قدم وساق في هذا الشرق الشاسع، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك لغة أخرى غير لغة البنادق والحراب، يمكن التخاطب بواسطتها بين مختلف ثقافات المعمورة،

وتلك اللغة هي ذاتها التي استخدمها العرب عندما قاموا بنقل الحضارة الإغريقية القديمة إلى باقي شعوب الغرب والأرض عموماً، بعد أن قاموا بترجمتها في إطار نهضة حضارية شهدتها بلاد الأندلس في النصف الثاني من الألفية الأولى وبداية الألفية الثانية، إبان حكم العرب لهذه المنطقة من العالم.

ونحن نقف اليوم أمام تجربة مماثلة إلى حد ما، تعتمد على الكثير من المبادرات الغنية والسخية التي تظهر بقوة في العالم العربي عموماً، وفي بلدان منطقة الخليج على وجه الخصوص وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة،

حيث يلاحظ وجود إصرار وإرادة فولاذيين على ألا يمضي الوقت سدى، وأن تستغل كل لحظة وكل إمكانية متاحة في سبيل تدعيم أركان الجسر الثقافي المنشود، الكفيل بترسيخ لغة الحضارة كلغة مشتركة للناس أجمعين.

bassil@albayan.ae