بعد مقالة الأسبوع الماضي «توظيف الماضي من أجل الحاضر والمستقبل»، تلقيت عددا من الاتصالات والرسائل. استوقفتني كثيرا رسالة الأستاذ محمد ديتو، وهو اقتصادي بحريني تشهد له مهنيته العالية، ومهتم بالشأن الاجتماعي السياسي.
وقد استأذنته في تضمينها هذا المقال لإطلاع القراء. بعد أن امتدح المقال كتب ديتو: «. أضيف ملاحظة.. باعتقادي أنها غائبة أو «مغيبة» عن كافة المحاولات لتفسير هذا الماضي، وهي غياب نظرة نقدية بناءة من كافة أطراف الصراع من معارضة أو سلطة.
وأقصد من «نظرة نقدية بناءة» التعلم من تجارب السابق لكل قوة سياسية فاعلة، وجرأة نشر هذه النظرة لتكون ذخيرة معرفية وسياسية للجميع، وخاصة الأجيال الحالية والقادمة من شعبنا. نتيجة لغياب هذه النظرة النقدية البناءة نلاحظ تكرارا لبعض الممارسات السياسية السابقة في أوضاعنا الراهنة، وإن اتخذت طابعا عصريا.
ينطبق ذلك على بعض ممارسات السلطة، كما ينطبق على تحالفات وعلاقات وممارسات المعارضة بشقيها العلماني والإسلامي. ما سيكمل «تصحيح» النظرة الخاطئة بحق مراحل مهمة في تاريخنا السياسي، هو «استخلاص الدرس العام» لكافة القوى المشاركة في صنع تلك المراحل بمنجزاتها وأخطائها. لعل ذلك يشكل بداية الدرب نحو جعل الحقيقة مفتاح المصالحة الوطنية المنشودة.
الماضي مدرسة جميعنا في هذا الوطن تلاميذها، لا فرق هنا بين معارضة ولا سلطة في ما يتعلق بعملية التعلم. من ينجح بشجاعة في اختبار التعلم من هذه المدرسة هو الذي سيستطيع قراءة الحاضر بصورة صحيحة وصريحة، وسيتمكن من المساهمة في دفع عجلة تقدم الأوضاع إلى الأمام». انتهت.
حتى بعد قراءة هذه الرسالة كنت بوارد الكتابة في موضوع اقتصادي. لكن ندوة مشتركة أقامتها قوى سياسية علمانية وإسلامية بحرينية (12/ 12/ 2007 بمشاركة جمعيات الوفاق والمنبر التقدمي وعقد في مقر الأخيرة)، حول الجدل بين السلطة والمعارضة الذي كتبنا عنه بشأن تفسير أحداث سبعينات وتسعينات القرن الماضي، أعادتني إلى التمعن في رسالة الأستاذ ديتو من جديد، وبالتالي إلى اعتبارها جزءا من هذا المقال.
من المشروع تماما أن تنصب الندوة على تفنيد الاتهامات الرسمية للمعارضة بألوان طيفها المختلفة، بأنها خاضت نضال تلك الفترة بالوكالة عن جهات أجنبية لا تريد للبلاد والعباد خيرا. لكن جعفر الوداعي، المشهود له بدفاعه عن القضية والوحدة الوطنية والذي دفع في سبيلهما ثمنا باهظا،
شاء من وسط القاعة أن يوجه سهام نقد حادة لقوى وشخصيات سياسية دينية لم تخدم مواقفها توحيد صفوف المعارضة، ابتداء من بدايات الموقف حول قانون أمن الدولة السيئ الصيت في السبعينات اعتقادا بأنه موجه فقط ضد اليساريين الأقوياء في ذلك الوقت،
مرورا بازدراء اليساريين الذين انحسرت جماهيريتهم في التسعينات بعد أن أنهكتهم ضربات السبعينات والثمانينات، وانتهاء باتهامات التسقيط والتكفير في الحملات الانتخابية البلدية عام 2002، وجدل المقاطعة ـ المشاركة في الانتخابات البرلمانية لذلك العام وما بعده، ثم في معارك زالمشاركةس في انتخابات عام 2006 البلدية والبرلمانية.
صديقي العزيز، النائب وأمين عام جبهة الوفاق الوطني الإسلامية الشيخ علي سلمان، الذي يعتبر من بين أكثر رجال «الدين ـ السياسة» تنورا وواقعية، وصف ذلك النقد بأنه كلام يفرق. وبالرغم من أن د. حسن مدن، الأمين العام للمنبر التقدمي حاول أن يمتص من حدة نقد الوداعي، إلا أن أغلبية الحاضرين يفهمون جيدا صدقيته وغيرته على القضية والوحدة الوطنيتين.
شرد بي الذهن من القاعة إلى رسالة محمد ديتو. ما أحوج المعارضة، حتى وهي تواجه الأطروحات الرسمية إلى أن تقرأ نفسها أيضا، ماضيا وحاضرا، بشكل صحيح لكي تستطيع اتخاذ الموقف الأصح. فليس صحيحا برأينا القول، مثلا، بأن العريضتين النخبوية
ثم الشعبية في بداية التسعينات رسمتا المسار لأحداث التسعينات. الحقيقة أن العريضتين وضعتا الأساس لمسيرة نضال من أجل الديمقراطية، كان يمكن أن تؤتي أكلها بالطرق السلمية في ظل الموازين والتحولات العالمية لذلك الوقت. وهذا ما جرى التنبيه له مرارا في لقاءات القوى السياسية في الخارج خلال التسعينات. لكن الرياح سارت بغير ما اشتهت العريضة.
النزعة التبريرية تؤدي بصاحبها إلى قراءة الماضي بشكل خاطئ، وتزين له تحويل الماضي من مادة للاستفادة من تجاربه إلى مادة للتباهي فحسب.. من منطلق صحيح نحو المستقبل إلى تكرار الماضي. وبذلك تظل الحركة، مهما بلغ زخمها، متجهة تاريخيا إلى الوراء بدلا من التقدم.
فقوانين الفيزياء التي تقيس أثر الفعل، ليس بالمقدار فقط بل والاتجاه كذلك، تصدق في القضايا السياسية ـ الاجتماعية أيضا. في العلاقة ما بين السلطة والمعارضة، السلطة هي الطرف الأقوى والأقدر ـ إن شاءت ـ على جعل هذه العلاقة تمر عبر القانون، لا القوة، وأن تجعل هذا الاتجاه غير قابل للارتداد.
ولذلك فإنها مطالبة أكثر بالإقدام على مشروع حقيقي للمصالحة الوطنية العادلة، التي تشطب الآثار السلبية للماضي وتحول دون فعلها في الحاضر. كذلك في العلاقة بين قوى المعارضة السياسية ـ الدينية واليسارية فإن الأولى (شيعية وسنية) هي الأكثر تأثيرا في الشارع في الوقت الحاضر، ولذلك فهي المسؤولة أكثر من الآخرين، بما في ذلك السلطة، عن ترسيخ الوحدة الوطنية على أسس من الديمقراطية والقبول بالآخر.
لكن القوى السياسية ـ الدينية بضفتيها، لا تزال عاجزة عن لعب هذا الدور للأسف. وفي حين تقدم الوحدة الإسلامية على الوحدة الوطنية، فإنها تضر بالاثنتين معا، خصوصا وأنها تقصد بالوحدة الإسلامية وحدة البيت الطائفي وبالوحدة الوطنية تمرير أجندات طائفية في أحيان كثيرة.
وهذه الخاصية ليست بحرينية صرفة. في أحد المواقع الإلكترونية يتساءل أحدهم: «هل حكومة (الوحدة الوطنية) حكومة شرعية؟ وهل يجيز لنا الشرع الوحدة مع الشيوعي واليساري والبهائي وغيرهم؟س».
ونجد فحوى الجواب في موقع آخر: «لقد تفشى في وسط هذه الأمة، سواء أكان ذلك في فلسطين أو العراق أو مصر أو ما شابه، مرض خطير يسمى «الوحدة الوطنية»، والحقيقة أن الوحدة الوطنية كما وصفها علماء هي صنم يعبد من دون الله، بل هي عدو جديد ما زال يواجه الأمة الإسلامية بكافة أطيافها.
لا نجزم بأن التزمت في علاقات السلطة والمعارضة وفيما بين المعارضة في البحرين، هي قدرنا المحتوم. بل إنها قابلة للتغيير نحو الأفضل. وينطبق ذلك بدرجة أكبر على مكونات التيار الوطني الديمقراطي التي سبق وطرقناها كثيرا.
وعلى أمل تحقق القصد نذكر بقول الكاتب الانجليزي والتر سكوت (عاش بين عامي 1771 و1832) بأن «المظلوم أكثر استعدادا للتسامح من ذلك الذي ظلم»
كاتب بحريني