لا مقدمات الاحتفال برعاية أميركية وبحضور عربي ودولي بإطلاق المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في آنابوليس، كانت مشجعة ولا مبشرة بشيء جاد، سوى الكلمات التي سرعان ما تراجعت عنها تل أبيب وواشنطن..
ولا مقدمات بدء المفاوضات أمس الأول بتوسيع الاستيطان وباستمرار بناء الجدار والاغتيالات والتجويع والحصار على الشعب الفلسطيني، وبالتوغل الإسرائيلي بالدبابات تغطيها الطائرات على غزة، وسقوط العشرات من الشهداء في الضفة وغزة على يد قوات الاحتلال، يمكن أن يشكل تشجيعا أو تبشيرا بخير.
ففي المقدمات لم تكن المبادرة العربية للسلام ولا قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالحقوق الفلسطينية والعربية، هي المرجعية التي ستجرى على أساسها المفاوضات، بل فقط المرحلة الأولى لخارطة الطريق، والتي تتحدث عن وقف ما يسمى بالإرهاب الفلسطيني، والاستيطان الإسرائيلي، على أن تبدأ السلطة الفلسطينية بتنفيذ القضاء على هذا «الإرهاب»، أي على المقاومين من حماس والجهاد والجبهة الشعبية وحتى من فتح.
وهذا يعني شرطا مستحيلا، لأن معناه إشعال حرب أهلية فلسطينية، والوعي الفلسطيني عند الطرفين المفاوض والمقاوم بهدف إجهاض هذا المطلب الخبيث، لن يجعل بمقدور السلطة القضاء على المقاومة ولا حتى بأي تدخل إسرائيلي ولا أميركي، ولن يجعل بمقدور المقاومين للاحتلال التخلي عن خيار المقاومة دون انسحاب المحتلين عما تم احتلاله بالقوة.
وقبل أيام من بدء المفاوضات التي يمكن قراءة نتائجها من مقدماتها، لم تكثف إسرائيل من عملياتها الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني بقتل العشرات على مرأى ومسمع من الدول التي حضرت آنابوليس عربية وأجنبية دون التصدي لمثل هذا الإرهاب فقط، بل سارعت أيضا إلى تنفيذ مشروعات التوسعة في المستوطنات الصهيونية وخصوصا في القدس الشرقية!!
ليس فقط في إشارة منها إلى عدم احترامها لما يخصها من المرحلة الأولى من خارطة الطريق، والتي سبق لها التحفظ عليها بأربعة عشر تحفظا والتي على ما يبدو لا تنوي تنفيذها، وإنما أيضا للقيام بعملية استباقية في محاولة لتهويد القدس،
للالتفاف على القرارات الدولية التي تعتبر القدس جزءا من الأراضي المحتلة عام 67، والتي خفضت سقف السلام لبحث الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها بالقوة ضد الشرعية الدولية التي لا تجيز ضم أراضي الغير بالقوة في حرب يونيو 67.
ولا نستطيع أن نتجاوز المقدمات غير المشجعة لاحتفالية آنابوليس، التي لا بد أن تقود الى النتائج غير المبشرة لمفاوضات تبدو بلا نهاية أو بلا نتيجة، ومن دون استعراض الشروط الإسرائيلية المعروفة باسم اللاءات الخمسة،
التي تقول لا عودة لحدود 67، ولا عودة للقدس، ولا عودة للاجئين الفلسطينيين، ولا وقف للاستيطان، ولا مناقشة للوضع النهائي للقضية، إلا بعد تنفيذ المرحلة الأولى من خارطة الطريق التي من الواضح أنها غير قابلة للتنفيذ.
وبعد المقدمات السابقة على احتفال آنابوليس، فلا يمكن استعراض المقدمات التي سبقت انطلاق المفاوضات التي هي أدهى وأمر، من دون الحديث عن الشرط الإسرائيلي الجديد بمطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل «دولة يهودية» كشرط للمفاوضات، للالتفاف على القرار الدولي المتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض،
عن طريق جعل الدولة الفلسطينية التي يجري الحديث عنها دون ملامح واضحة، هي الملجأ الوحيد لهم وليست أراضيهم المغتصبة في فلسطين 48، فضلا عن تبرير دعوات طرد الفلسطينيين المليون ونصف المليون من سكان فلسطين المحتلة 48 الحاليين أيضا الى أراضي الدولة الفلسطينية المزمع إنشاؤها، متى؟ لا يدرى أحد!!
ومن المستحيل تصور أن تتحقق حلول للقضية بما يجلب سلاما للمنطقة، دون عدالة ودون منطق صحيح للأمور، ودون إرادة سلام حقيقية من جانب إسرائيل وأميركا، وإذا كان القاصي والداني والعالم والجاهل يدرك أن القوة تولد المقاومة، وأن المقاومة هي نتيجة طبيعية للاحتلال،
فلا منطق سليما ولا جدوى حقيقية لمطلب إنهاء المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، قبل إنهاء الاحتلال أولا، وليس إنهاء المقاومة التي تنتهي منطقيا وتلقائيا وطوعيا فقط، بعد إنهاء الاحتلال وإتمام الانسحاب الإسرائيلي عن الأراضي المحتلة عام 67.
فلا يجدي وضع العربة أمام الحصان!