ربما تكون جبهة العنصرية والتمييز العنصري الذي تمارسه مؤسسات الدولة الإسرائيلية ليس فقط ضد عرب 48، بل أيضا ضد كل الشعب العربي الفلسطينيين على امتداد مساحة فلسطين، من أهم وأخطر الجبهات والملفات غير المستثمرة عربيا إعلاميا وسياسيا كما يجب>

ذلك ان العالم قد ينتبه الى هذه الجبهة أكثر من غيرها، نظرا لسطوة مفاهيم وقيم الحريات العامة وحقوق الإنسان. فإلى جانب الاحتلال الإسرائيلي بكافة أعبائه وأثقاله وتداعياته على كافة مجالات الحياة الفلسطينية وما لذلك من مكانة في القرارات الأممية،

إلا أن قصة «الابرتهايد-التمييز» تنطوي على أهمية مختلفة، كما تابعنا ما جرى في جنوب افريقيا وفي أماكن أخرى من العالم مثلا، واسرائيل تحتل بامتياز قمة هرم الدول التي تقترف التمييز العنصري، والأدلة والشهادات على ذلك لا حصر لها،

إذ أصبح عرب 48 في هذه المرحلة في دائرة الاستهداف العنصري الإسرائيلي أكثر من أي مرحلة سابقة، كما غدوا في مرمى الاستراتيجية التصفوية الإسرائيلية، باعتبارهم يشكلون خطرا استراتيجيا على إسرائيل أكثر من أي مرحلة سابقة أيضا.

ويبدو أن الإجماع الإسرائيلي قبيل وخلال انابوليس على ضرورة الاعتراف الفلسطيني- العربي بـ «دولة اليهود»، لم يكن هكذا بدون أدبيات ومناخات وجاهزية عنصرية تصل الى مستوى الجنون، بل العكس هو الواضح، اذ أخذت المعطيات تتلاحق حول المضامين العنصرية لـ «دولة اليهود»، وأخذت تترجم عبر الاستطلاعات والتعليقات وغيرها.

فقد أظهرت نتائج البحث السنوي لجمعية حقوق الإنسان في إسرائيل،على سبيل المثال، «أن العنصرية تنامت بشكل كبير في أوساط الجمهور الإسرائيلي، وارتفعت الأحداث العنصرية ضد العرب بنسبة 26% خلال السنة الماضية»، ويقول التقرير إن الاستطلاعات تشير إلى «أن شعور الكراهية لدى اليهود تجاه العرب تنامي بنسبة 100%».

الى ذلك فقد لمسنا انتعاشا مثيرا في الأدبيات العنصرية الصهيونية، وانتشارا أفقيا مجتمعيا معاديا للوجود العربي الفلسطيني في فلسطين المحتلة عام 1948، وتسارعا في وتيرة الحملات التحريضية الداعية الى تهجير عرب 48،

وكان من أخطر مؤشرات ذلك التقرير الاجتماعي الذي نشرت معطياته صحيفة معاريف العبرية وجاء فيه أن 63% من المجتمع اليهودي يعتبرون «عرب إسرائيل يشكلون تهديدا امنيا»، فيما أعرب 68% منهم عن أنهم «لا يوافقون على السكن بجوار العرب»، وقال 40% منهم إن «على الدولة أن تعمل على تهجير العرب»، وغير ذلك من المعطيات العنصرية.

واعتبرت مصادر إسرائيلية التقرير فريدا من نوعه، فيما اعتبره بعض التعليقات العربية مقياسا للعنصرية هناك، حيث قال «مركز مكافحة العنصرية» العربي «ان 75% من حالات العنصرية تجاه العرب مصدرها المؤسسة الحاكمة».

وقد أكدت شخصيات إسرائيلية أن «تفشي العنصرية والكراهية تجاه العرب في إسرائيل أمر غير مفاجئ»، وأشارت إلى استحالة التوفيق بين كونها «دولة يهودية وديمقراطية» في الوقت نفسه (وكالات ـ 10/ 12/ 2007)،

وأكدت وزيرة التعليم الإسرائيلية السابقة شولميت ألوني في حديث للجزيرة نت أن «العنصرية الإسرائيلية المتفاقمة تتغذى من التفسيرات الدينية، ومن تحريض أوساط المتدينين المتشددين والمستوطنين المعارضين لمساواة المواطنين العرب».

كما عقب النائب د. جمال زحالقة، رئيس كتلة التجمع الوطني الديمقراطي في الكنيست، قائلاً ان «موجة العنصرية تعصف بالمجتمع السياسي الإسرائيلي بمجمله، وكل أسبوع يطرح في الكنيست قانون عنصري جديد، مثل قوانين سحب الجنسية وبيع الأرض لليهود فقط، وشرط المواطنة بإعلان الولاء للدولة اليهودية وغيرها» (عرب 48 ـ 10/ 12/ 2007).

وتعزيزا لهذه الحقائق العنصرية كتب د. شكري الهزيل من عرب 48 تحت عنوان «فلسطينيو 48 في مرمى الاستراتيجية الإسرائيلية» يقول: «منذ نشأة إسرائيل وحتى يومنا هذا وفلسطينيو الداخل يعانون من السياسة الإسرائيلية العنصرية، الهادفة إلى تحجيم الوجود العربي داخل مناطق ال48 من جهة،

والسيطرة على جميع مناحي حياة فلسطينيي الداخل من جهة ثانية، وبالتالي لا بد من الغوص تاريخيا وسياسيا في خلفية سياسة الاضطهاد والقمع التي يتعرض لها عرب ال48 منذ نشأة إسرائيل ككيان استيطاني على الأرض الفلسطينية وحتى يومنا هذا».

وليس ذلك فحسب، بل إن هستيريا العنصرية أخذت تدفع باتجاه علنية فكر وأدبيات الترانسفير لدى الصهاينة، وبشكل خاص في أعقاب الإجماع السياسي الإسرائيلي على مطلب «دولة اليهود»، إذ يبدي الفلسطينيون تخوفا من أن يشكل الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية ان حصل، كلمة السر للبدء في تنفيذ سياسة الترانسفير التي انتقل الحديث عنها من الأبواب المغلقة إلى نقاشات علنية لدى الأحزاب الكبيرة والصغيرة.

وفي هذا الصدد أعرب عضو الكنيست طلب الصانع رئيس كتلة القائمة الموحدة العربية للتغيير لوكالة «فرانس برس» عن مخاوفه قائلا: «إننا نخاف من الترانسفير»، وأبدى خشيته من «ان تسعى إسرائيل إلى استغلال موضوع دولة يهودية خالية من العرب، وعندما يكتسب هذا المصطلح الصفة الدولية يتم تنفيذه».

يضاف الى كل ذلك ما كشفته مؤسسة حقوقية تنشط داخل الخط الاخضر من أن قوات الاحتلال، دأبت في السنوات الأخيرة، على إقامة جدران فصل عنصري بين المواطنين العرب والسكان اليهود في المدن والأحياء المختلطة في إسرائيل.

ولعل الوثيقة التي قدمها «مركز عدالة» لحقوق الإنسان أمام لجنة العنصرية التابعة للأمم المتحدة، تنطوي على أهمية بالغة، إذ يوثق فيها المركز الانتهاكات الإسرائيلية وأشكال التمييز العنصري في المجالات التالية:

1- الحقوق في الأرض والمسكن،

2- مخصّصات الخدمة العسكرية،

3- القانون الجديد الخاص بالإجراءات الجنائية القاسية في حقّ المعتقلين المشتبه فيهم بارتكاب جرائم أمنية،

4 - القتل في أكتوبر 2000،

5- قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (أمر مؤقّت) (2003)،

6- عدم المساواة في تمويل الدولة للمدن والقرى العربية، وانعدام مشاركة المواطنين العرب في عمليّات التخطيط،

7- تشريد وطرد البدو العرب المواطنين في إسرائيل من القرى غير المعترف بها في النقب،

8- التمييز في تخصيص موارد الدولة للطلاب العرب وفي إمكانية الوصول إلى التعليم العالي،

9- التمييز في دعم الدولة للمؤسّسات الثقافية العربية،

10- عدم الاعتراف بالأماكن الإسلاميّة المقدّسة في إسرائيل (عن موقع عرب 48 ـ 26/ 02/ 2007).

ولكن، على الرغم من تصاعد السياسة العنصرية تجاه العرب في الداخل في كافة المجالات، وخاصة في ما يتصل بالأرض والسكن والعمل والتعليم والحقوق، ولعل أبرز مظاهرها المخططات التي تسعى للسيطرة على الأرض وسياسة هدم البيوت وتهجير السكان والتهويد، ومخططات توسيع الاستيطان في الجليل والنقب،

ناهيك عن العنف الذي تمارسه الأجهزة الأمنية، وإقدام الشرطة على قتل أكثر من 50 عربياً منذ العام 2000.. وعلى الرغم من وجود تقارير إسرائيلية رسمية تؤكد على التمييز العنصري ضد فلسطينيي الداخل، فقد كانت لجنة مكافحة العنصرية التابعة للأمم المتحدة قد أعلنت أن «إسرائيل خالية من التمييز على خلفية عنصرية» (موقع عرب 48 ـ 27/ 02/ 2007).

فتصوروا.. حينما تسقط هذه اللجنة الأممية «التمييز العنصري» عن أخطر دولة عنصرية على وجه الكرة الأرضية!! وفي ضوء كل هذه الحقائق والوثائق المتعلقة بالابرتهايد الإسرائيلي وبجرائم الحرب والانتهاكات العنصرية

والجرائم التي تقترف على مدار الساعة ضد أهلنا على امتداد مساحة فلسطين، لعلنا نعرب عن تقديرنا واحترامنا البالغ، أولا لكل أولئك الذين يناهضون الابرتهايد الإسرائيلي في الجامعات الأوروبية والكندية والجنوب افريقية،

ونحث كافة المؤسسات العربية المعنية بمناهضة سياسات التمييز العنصري على أن تتحمل بدورها مسؤولياتها القانونية الحقوقية والإنسانية والإعلامية، وأن تتحرك من أجل تدويل قضية العنصرية الإسرائيلية ضد ملايين العرب في فلسطين، وأن تعمل على تعميمها على أوسع مساحات أممية ممكنة

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com