قلت لصديقي العربي المقيم بإحدى الدول الأوروبية: ألا تفكر في العودة إلى وطنك بعد كل هذه السنين التي قضيتها في الغربة؟

صمت الصديق، الذي مضى على إقامته خارج الوطن ربع قرن تقريبا، برهة قبل أن يرد عليّ قائلا: وهل تعتقد أنني لا أحن لوطني وأفكر في العودة إليه والاستقرار فيه رغم كل المغريات التي تقدمها لي الإقامة في الخارج، خاصة بعد أن حصلت على جنسية هذا البلد الذي يحلم الكثيرون بحمل جنسيته، وأصبح من حقي أن أنتخب رئيسه؟

قلت له: وما الذي يمنعك إذن من تنفيذ الفكرة طالما أنها واردة؟ قال لي والحسرة بادية على وجهه: اسمع يا صديقي؛ بعد انقطاع قارب السنوات الخمس، قررت أن أقضي إجازة الصيف الماضي في وطني والنظر في إمكانية أن أبدأ مشروعا تجاريا فيه، مستفيدا من الخبرة التي اكتسبتها في الغربة والأموال التي جمعتها خلال السنوات التي استنفدت الجزء الأكبر من عمري،

فما الذي حدث؟ وجدت أن جزءا كبيرا من رأس المال الذي خصصته لهذا المشروع سوف يذهب على شكل رشاوى عليّ أن أدفعها لجهات كثيرة، بدءا من الرؤوس الكبيرة في الأجهزة المسؤولة عن الاستثمار والتجارة في بلدي،

وانتهاءً عند أصغر موظف سوف يضع ختما على آخر ورقة من الأوراق التي عليّ تقديمها للجهات المختصة، قبل أن أضع حجرا واحدا في المشروع الذي فكرت في تأسيسه. لذلك قررت إلغاء الفكرة وعدم العودة إليها حتى يحدث الله أمرا.

لم أجد ما أرد به على محدثي، لكن هذا الحوار ذكّرني بلقاء جمع في الإمارات قبل سنوات رئيس أحد أجهزة الاستثمار الحكومية العربية بعدد من رجال الأعمال الإماراتيين، أسهب خلاله المسؤول الزائر في شرح مزايا الاستثمار في بلده،

داعيا الحضور إلى ضخ أموالهم في مشاريع استثمارية مضمونة العائد. وما كاد المسؤول الضيف ينهي كلامه حتى انبرى له رجل أعمال كانت له تجربة مريرة في ذلك البلد العربي، قائلا إن القوانين لديهم لا تشجع على الاستثمار والتجارة.

فرد عليه المسؤول العربي بأنهم قد قاموا بتغيير القوانين القديمة وإحلال قوانين جديدة محلها. عندها تبسّم رجل الأعمال وألقى قنبلته الثانية قائلا: وهل غيرتم البشر الذين يتعاملون بتلك القوانين ويطبقونها؟!

عندها ساد الوجوم القاعة ولم يجد المسؤول الضيف ما يجيب به، وانفض اللقاء دون الوصول إلى النتائج التي كان يتوخاها رئيس جهاز الاستثمار العربي الزائر، الذي تعرض بعد سنوات من هذا اللقاء للمساءلة من قبل جهاز المدعي الاشتراكي في بلده، وقُدِّم للمحاكمة بتهمة الاختلاس.

الرشوة مظهر من مظاهر الفساد الذي يعتقد عدد كبير من علماء الاجتماع والقانون أنه أصبح ظاهرة عالمية لا يمكن استثناء بلد من بلدان العالم منها. لكن البعض يربط تفشي الرشوة بالوضع الاقتصادي في كل بلد، حيث يُفتَرض أن تنتشر في البلدان الفقيرة نظرا للفاقة وحاجة الناس إلى سد العوز وتوفير متطلبات الحياة الأساسية لأنفسهم.

هذا ما يفترضه المنطق، لكن الواقع يقول إن هذا الداء متفشٍ وبشكل أكثر بشاعة في المجتمعات الغنية. بل إن حجم مبلغ الرشوة يكون حسب قدر المرتشي، فكلما كان المرتشي ذا منصب عالٍ كانت الرشوة أكبر قيمة. والعكس صحيح، إذ إن الموظف الصغير يكتفي بأقل القليل الذي يتناسب مع وظيفته المتواضعة والخدمة التي يمكن أن يقدمها من خلالها.

كنت إلى عهد قريب أظن أن مجتمعنا ما زال بعيدا عن هذا الداء، حتى تعطلت لي معاملة في إحدى الدوائر الحكومية، فإذا بأحد الأصدقاء ينصحني بأن «أدفع من تحت الطاولة» لأن موظفي هذه الدائرة مشهورون بالقبض من تحت الطاولة لتمرير المعاملات وإنجازها، وإلا كان مصيرها التعطيل والحفظ في الأدراج!

لا أنكر أن النصيحة قد فاجأتني، فأنا لا أتصور أن أضطر إلى الدفع من أجل الحصول على حق مشروع لي، لكن تجربة إحدى المواطنات خلال رحلة بحثها عن عمل، محت كل آثار الدهشة والمفاجأة وجعلتني أصدق ما هو أكثر من هذا.

تقول المواطنة التي تفكر في تأليف كتاب عن رحلتها تلك، إن هذه التجربة جعلتها تعيد النظر في البشر وتراجع حساباتها في القيم التي تربت عليها منذ الصغر. فرغم المؤهل العلمي الذي تحمله، وسنوات الخبرة التي تدعمها،

والدورات العديدة التي تحمل شهادات المشاركة فيها، إلا أنها كانت تصطدم في كل مكان تقدم فيه أوراقها بما يجعلها تعتقد أن كل هذه الأوراق التي تحملها لا قيمة لها إزاء ما يطلب منها مما لا تستطيع تقديمه، لتخرج من هذه الأماكن محبطةً فاقدةَ الثقة في كل ما هو مثالي وجميل في الحياة.

لم تفاجئها محاولة البعض استغلال وظيفته لأغراض دنيئة، فقد كانت تتوقع هذا بحكم طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه، ونظرة الرجل التقليدية تجاه المرأة، وبحكم التجارب التي مرت بها واستطاعت من خلالها أن تضع لمثل هذه الممارسات حدودا والتعامل معها بحكمة وحنكة.

لكن الذي فاجأها ولم تستطع استيعابه هو محاولة البعض استغلال وظيفته لابتزازها ماديا رغم الموقع المهم الذي يشغله، مما يجعله في غنى عن مثل هذه الممارسات، وعن المساومة على مبالغ تبدو لها بسيطة بالنظر إلى الموقع الذي يحتله.

وكان من غرائب ما صادفها في رحلة بحثها هذه أيضا، مجموعة من الوسطاء أو السماسرة الذين عرضوا عليها توفير وظيفة لها في بعض الدوائر الحكومية والشركات شبه الحكومية، مقابل مبالغ مالية واضح من عرضهم أنهم سيقتسمونها مع المسؤولين عن التوظيف في تلك الأماكن، فهل وصل بنا الحال إلى استغلال وظائفنا بهذا الشكل البشع الذي احتواه ملف تجربة هذه السيدة المواطنة؟

ويبقى كل هذا في حدود المتقبَّل ـ على مضض ـ إذا ربطناه بطبيعة النفس البشرية وضعفها إزاء المادة والغريزة ومغريات الحياة الكثيرة، ولكن عندما يصل الدفع من تحت الطاولة إلى محراب العلم يصبح الأمر في غاية الخطورة.

هنا نتوقف كثيرا أمام ما نسمعه عن بعض المؤسسات التعليمية التي تمنح الشهادات لمن لا يستحقها، مقابل مبالغ من المال يتحدد مقدارها حسب نوع الشهادة ودرجتها والبلد الذي تصدر منه، والشيء نفسه يحدث مع بعض أعضاء الهيئات التدريسية من مختلف المراحل. فعندما تغيب الضمائر في بعض الميادين ينحصر الضرر في فئة محدودة من البشر، ولكن عندما يغيب الضمير في ميدان التعليم يعم الضرر ليشمل المجتمع كله.

هنا يصبح «الدفع من تحت الطاولة» ليس ظاهرة نتعجب منها، وإنما سرطانا ينخر في عظام المجتمع ويجتاح نخاعه، وعندها لا يعود ثمة أمل في الإصلاح، ولا مجال لمعالجة الخلل إلا بالبتر؛ بتر الأيدي التي تمتد من تحت الطاولات لتقبض أو تدفع،

لأنها جميعا مشتركة في الجريمة. وليس ثمة جريمة أكبر من تدمير المؤسسات التي يُفترَض أن تكون هي المصانع التي يتخرج منها أفراد المجتمع الصالحون الذين لا يدفعون ولا يقبضون، ولا لضمائرهم يبيعون.

كاتب إماراتي

aliobaida4000@yahoo.com