هل بالفعل تغيرت طبيعة العلاقات الفرنسية الأميركية بصورة جذرية منذ اعتلاء نيكولا ساركوزي عرش الاليزيه؟ وهل في حالة احتمال تغيرها سينعكس ذلك سلبا على أداء شمال حلف الأطلسي وتماسك أركانه خاصة والحلف يخوض حربا غير معلنة في أفغانستان

ويستعد لإعادة النظر في ميثاقه ورسالته لأول مرة منذ تأسيسه يوم 17 مارس 1948 ؟ سؤالان مشروعان يترددان هذا الأسبوع لا على أعمدة الصحف وهرتزات الفضائيات ومواقع العنكبوت فحسب بل وأساسا على ألسنة خفية هامسة في دوائر القرار الأميركي والأوروبي وقيادات الأركان ومراكز البحوث الاستراتيجية في العالم.

وليس الأمر مجرد مواقف مزاجية للرئيسين بوش وساركوزي لأنهما اليوم في موقعين متضادين أمام التاريخ ، فالرئيس بوش يحزم حقائب المغادرة ليستقل سيارة الليموزين العائلية في نوفمبر 2008 مودعا البيت الأبيض راجعا إلى مزرعة العائلة بتكساس، بينما الرئيس ساركوزي يفتح حقائب الوصول ويوضب ملابسه في دولاب قصر الاليزيه استعدادا لخمسة أعوام قادمة!

شهد الأسبوع الماضي في هذا المجال الأطلسي أحداثا واشارات مهمة لم تغفل عنها عيون المراقبين هنا في الغرب منها أن ساركوزي صرح مباشرة عقب زيارته الرسمية لواشنطن بأن باريس تساند بحماس مشروع انشاء قوة عسكرية أوروبية مشتركة

وبأن هذه القوة لن تكون بديلا عن حلف شمال الأطلسي، وأضاف الرئيس الفرنسي بأنه كلما تعززت هذه القوة الأوروبية كلما ازداد تعلق فرنسا بالحلف ! وهذا التصريح أثار عددا من التحليلات لخبراء عارفين بخفايا الدفاع الغربي ومن بينهم الصديقة والزميلة المتخصصة في قضايا الدفاع الاستراتيجي ( كريستين بيار) التي كتبت في أسبوعية( نوفيل سوليداريتي) الباريسية تقول:

»ان ساركوزي يحاول أن يصالح شارل ديجول مؤسس عقيدة استقلالية فرنسا مع جورج واشنطن مؤسس الدولة الأميركية، فقد أحيا ذكرى وفاة الجنرال ديجول يوم 9 نوفمبر الماضي أمام ضريح الجنرال بقرية (كولمبيه) ثم صرح في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس بوش في بيت جورج واشنطن ب( مونت فرنون) بأن باريس تريد استعادة قلب الولايات المتحدة بعد جفوة!

وهذه الجفوة – تقول الزميلة كريستين بيار- هي العقيدة الديجولية ذاتها، فالرئيس شارل ديجول هو الذي قرر انسلاخ فرنسا عن الحلف الأطلسي عام 1966 في ثورة غضب شهيرة وخرج من الحلف في ضجة هزت أرجاء الجبهة الأميركية الأوروبية بعنف وقتها، مما ترك الباب مفتوحا أمام الحلف الشيوعي المضاد والذي شكلته موسكو مع صديقاتها وهو حلف وارسو! ولم ترجع باريس إلى الحلف سوى بعد ثلاثين عاما أي في 1996.

وتلاحظ الزميلة في نفس التحليل بأن ساركوزي في خطابه أمام الكونجرس حاول شرح هذا التناقض دون أن يقنع الخبراء رغم أنه نال تصفيق واعجاب البرلمانيين الأميركان، فهو من جهة يصر على أن قوة دفاعية أوروبية أمر ضروري لكي تقوم فرنسا بواجباتها في البلقان والكنغو وربما غدا في السودان والتشاد ! ومن جهة أخرى يعلن عن تعزيز تواجد القوات الفرنسية في أفغانستان ضمن القيادة الأميركية للحلف الأطلسي هناك !

وفي صحيفة ( لوفيجارو) يكتب المحلل السياسي ( ألن بارلويه) بحثا استراتيجيا حول نفس الموضوع، تحت عنوان ( الامتحان الحقيقي للمصالحة الأميركية الفرنسية يمر عبر الدفاع الأوروبي والمشاركة الفرنسية في حرب أفغانستان) يؤكد فيه صاحبه بأن خطاب ساركوزي أمام أعضاء الكونجرس قطع مع توجهات الرؤساء الفرنسيين السابقين الذين كانوا يغذون عداء تقليديا تجاه واشنطن،

هذا العداء الذي بلغ ذروته عام 2003 عندما رفضت باريس تحت رئاسة شيراك الدخول في حرب أميركية ضد العراق، ويقول المحلل (بارلويه) بأن ساركوزي أعاد للدبلوماسية الفرنسية سالف تحالفها التاريخي مع الشقيق الأميركي الأكبر والذي امتد على مدى قرنين من الزمن، منذ مشاركة الجنرال الفرنسي ( لافايت) في حرب استقلال الولايات المتحدة الأميركية سنة 1778 وما بعدها إلى قيام الجيش الأميركي بقيادة الجنرال ( دوايت ايزنهاور) بتحرير فرنسا من الاحتلال النازي الألماني سنة 1944.

و يعتقد المحلل بأن مستقبل التعاطي الفرنسي والأوروبي عموما مع أزمة النووي الايراني هو الذي يحدد هذه المواقف المتناقضة ويملي على الرئيس الفرنسي الجديد نوعا من الترقب وقراءة تطور تلك الأزمة بكثير من الحذر لأنه لا أحد في الواقع باستطاعته استشراف هذا المستقبل المجهول بثقة ويقين بالنظر إلى تشعباته وتقلباته.

ففي الأسبوع الماضي وحده طرأت على الادارة الأميركية تقارير من مجموع أجهزة المخابرات تفيد عكس ما كان شبه مؤكد لدى الحكومات الغربية من نوايا ايران في برنامجها النووي! هذا أهم ملف مطروح على الأمين العام الراهن للحلف السيد (جاب دي هوب شيفير) وهو يستعد لتنظيم مؤتمر الحلف بأعضائه الستة والعشرين الذين من بينهم كل دول أوروبا ما عدا قبرص ومالطا وصربيا وكذلك من بينهم أقدم الأعضاء وهي تركيا.