ما هو مغزى انعقاد مؤتمر القمة الأوروبية ـ الإفريقية الذي اختتم في العاصمة البرتغالية لشبونة الأسبوع الماضي؟

إذا أخذنا في الاعتبار أن المبادرة جاءت من مجموعة دول الاتحاد الأوروبي فإن السؤال التالي الذي يطرح هو: هل فكرة ترتيب القمة تمثل الرد الأوروبي على مبادرة الصين بترتيب قمة صينية ـ إفريقية ـ تلك التي عقدت في بكين في نوفمبر عام 2006؟

ما ورد في الصحافة الغربية عن التقارب الأوروبي الإفريقي المتمثل في اجتماع رؤساء أوروبا مع رؤساء إفريقيا مثير حقاً. إذ يلاحظ أن هناك إجماعاً في مقالات وأعمدة الرأي في معم الصحف الغربية أن دول الاتحاد الأوروبي باتت قلقة من تراجع تجارتها

ونفوذها مع الدول الإفريقية بسبب الزحف التجاري والاقتصادي الصيني مع بلدان القارة السمراء. فإلي أي مدى يعتبر هذا القلق مسوغاً ومبرراً؟ وهل الوجود الصيني المتنامي في إفريقيا أصبح يشكل تهديداً للنفوذ الغربي؟

تقول مجلة «الايكونومست» اللندنية الموجهة إلى قاعدة قراء نخبوية في العالم عامة والغرب خاصة، إنه خلال السنوات الخمس الأخيرة ظلت أوروبا ترقب بمشاعر «صدمة وخوف»، «اكتساحاً» صينياً للقارة السمراء، فتأخذ الصين من دول إفريقية النفط والمعادن مقابل إعطاء هذه الدول ما تريد وتحتاج، سواء كان قروضاً ميسرة أو بناء طرق برية وشبكات سكك حديدية أو إنشاء موانئ جديدة.

وخلال هذه الفترة القصيرة ازداد حجم التجارة الإفريقية الصينية بمقدار خمسة أضعاف، حيث يبلغ الآن نحو 50 مليار دولار. ويبدو الآن أن أوروبا قررت أخيراً إجراء تحويل جذري في سياستها تجاه إفريقيا لمنافسة الصين على الصعيد الاقتصادي.

هذا هو ما تجسده اتفاقات «الشراكة الاقتصادية» التي جرى التوقيع عليها في قمة لشبونة. وبموجب هذه الاتفاقات ستفتح السوق الأوروبية على مصراعيها للمنتجات الإفريقية، بينما يسمح للدول الإفريقية إغلاق أسواقها جزئياً في وجه عدد من المنتجات الأوروبية المصنعة التي تنافس مثيلاتها من السلع الإفريقية.

مثل هذا التحول الكبير في السياسة الأوروبية تجاه البلدان الإفريقية لا يمكن إلا أن يكون له مدلول سياسي عميق. والمدلول السياسي هو أن دول الاتحاد الأوروبي قررت تحت وطأة تنامي النفوذ الصيني في إفريقيا التحرر من الأجندة التي تعتمدها الولايات المتحدة للتعامل مع دول القارة الإفريقية. وكما هو معلوم فإنها أجندة سالبة تنحصر في «محاربة الإرهاب» ومطاردة تنظيم «القاعدة» وتعزيز النفوذ الأمني الإسرائيلي في شرق القارة وغربها.

وانسجاماً مع الأجندة الأميركية ظلت الدول الأوروبية تعتذر في أغلب الأحيان عن تقديم قروض للدول الإفريقية بذريعة غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان. وحتى في الحالات التي تقدم فيها قروض بالفعل فإنها تكون تمويلاً لشراء سلع استهلاكية من الدول المانحة..

وبأسعار فائدة باهظة، وفترة سداد قصيرة. وبالإضافة إلى ذلك فإن الدول الأوروبية، كما الولايات المتحدة درجت على تعزيز سياسة صندوق النقد الدولي وشروطه التي يفرضها على الدول الإفريقية الفقيرة ومن بينها إلغاء أو خفض الدعم الحكومي لأسعار السلع المعيشية الأساسية كالخبز والوقود.

الآن يبدو أن الدول الأوروبية قررت أن تحذو حذو الصين في مساعدة الدول الإفريقية في تبني سياسة اقتصادية بناءة تساهم في البرمجة التنموية الجادة. و إذا ترجمنا هذا التحول إلى اللغة السياسية فإن معناه سيكون أن تنأى الدول الأوروبية بنفسها تدريجياً عن المشاركة مع الولايات المتحدة في إثارة الفتن الداخلية في بلدان القارة السمراء لتستطيع منازلة الصين في حلبة التنافس الاقتصادي الإيجابي.