عودة محافظة البصرة إلى أهلها، بعد رحيل القوات البريطانية عنها، تضع العراقيين أمام مرحلة اختبار جديدة ومتعددة الأبعاد. زوال الاحتلال بعد حوالي خمس سنوات، يطرح تحديات أمنية وسياسية؛ من العيار الثقيل. فالمنطقة تشهد حالة ولادة جديدة. ماضيها مشحون بعوامل التفجير.
ما سبق الاحتلال منه وما رافقه؛ كله يشكل خلطة مأزومة. صراعات وحسابات قديمة وحديثة؛ لا تزال عناصرها قائمة. وثمة مخاوف معروفة من احتمال تجدد مثل هذه الصراعات. لكن في ذات الوقت تواترت وتكررت التطمينات من أن عملية الانتقال لن يتخللها أو يتبعها ما يعكر صفو الأمن في المدينة الجنوبية.
الحكومة العراقية تحدثت بلغة الضمانات مع اطمئنانها لتسلم المهام الأمنية في البصرة. القوى السياسية الوازنة في المحافظة، تحدثت هي الأخرى بلغة مماثلة. بعضها ذهب في التطمين إلى حد وصف الوضع الأمني بأنه «جيد جداً وطبيعي ان تتسلم القوات العراقية الأمن في المدينة».
قيادات هذه الأخيرة أدرجت الوضع في خانة «الممتاز» مع«خلو الشوارع من المسلحين» وأن القوات «تسيطر على المدينة منذ وقت طويل». الأمر الذي يحمل على الاعتقاد بوجود حد مقبول من التفاهم حول تمكين السلطة من القيام بدورها، في توفير وترسيخ الاستقرار.
لكن ذلك الآن على المحك. فالسوابق لا تشجع. أكثر من مرة حصلت صدامات ومواجهات، في أعقاب رحيل قوات أجنبية من مواقع معينة. دارت معارك للسيطرة على مواقع وحصص نفطية. واكب حملات تعزيز المكاسب والنفوذ، حملات تصفية واسعة، لكن ذلك حصل، بوجود الاحتلال. الآن انحسر هذا الأخير.
المنطقة التي يصل إنتاجها إلى 70% من النفط العراقي، رجعت إلى أحضان الوطن. رجوع من المفترض أن يكون بداية العد العكسي لزوال كابوس الاحتلال عن المتبقي من العراق. وهنا تكمن أهمية اللحظة الراهنة في البصرة المتحررة من نير الاحتلال.
فالأنظار لاشك ستكون موجهة أولاً نحو الوضع الأمني في المدينة وباقي مناطق المحافظة، وبالتحديد إلى مدى التزام القوى السياسية الفاعلة، بتسهيل مهمة القوى الأمنية العراقية، التي بدأت تجربتها بمفردها، الآن في البصرة.
وكذلك إلى مدى نجاح هذه القوات في النهوض بدورها، الذي تتوقف عليه أمور واعتبارات كثيرة؛ محلية ووطنية، ذلك ان النجاح لن يترك فقط صداه الايجابي في موقعه، بل أيضاً في عموم الساحة العراقية؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من عودة الثقة بالدولة وبالتالي بأهمية التوافق وتوسيع رقعة المصالحة الوطنية الشاملة.
تجربة البصرة الأمنية لها، بحكم كونها الأولى من نوعها؛ طابع نموذجي، على مصيرها يتوقف الكثير، وأهمية عدم فشلها لا تكمن في طبيعتها الأمنية أساساً، بل في التوافق السياسي الذي أنتجها. فالذي لاشك فيه أن صمودها وتمكنها من القيام بدورها على الوجه المطلوب؛ مرهون بمدى صمود الوفاق بين الجهات النافذة والتي تملك قواعد وازنة على الأرض،
وفاق من شأنه تمكين الدولة من استرجاع وظيفتها؛ على أرضية تلاقي الأطراف العراقية عند الحد الأدنى، الذي يمهد لعودة اللحمة الوطنية إلى أرض الوطن. لقد بدأ الغزو من جنوب العراق. وأمس بدأ ينحسر من الجنوب والكرة بملعب العراقيين لاستكمال شوط هذا الانحسار.
