جاء تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة للفترة 2007م - 2008م متضمناً التقدير الدولي للنجاحات التي حققها اليمن على الأصعدة الإنمائية والاقتصادية والاجتماعية، حيث حمل هذا التقرير الذي يعتمد على الأرقام والدراسات العلمية والواقعية والعملية في تصنيفه لمستويات التنمية البشرية لجميع دول العالم اعترافاً حياً وشاهداً على صوابية السياسات التي اتبعتها الجمهورية اليمنية لتحقيق النمو المستدام وإنجاز التحولات الاستراتيجية التي ترتقي بواقع الإنسان اليمني ومستويات معيشته.
وتتجلى دلالات هذه الشواهد في تصنيف اليمن لأول مرة ضمن الدول ذات التنمية المتوسطة خلافاً لتقارير الأمم المتحدة للسنوات الماضية التي كانت تضعها مع دول عربية أخرى في خانة الدول ذات التنمية البشرية المتدنية.
ومثل هذه الانتقالة النوعية لاشك وأنها التي تؤهل بلادنا لأن تكون إحدى الدول النموذجية التي تحظى بالاهتمام الدولي والحصول على المزيد من الدعم لمشاريع التنمية الشاملة التي من شأنها تسريع اندماج اليمن مع محيطه في الجوار الجغرافي والتحاقه بالكامل في مؤسسات مجلس التعاون الخليجي.
ومع أن إنجازاً كهذا يستحق أن نحتفي به وأن نجعل منه محطة جديدة نتزود منها ما يحفزنا على المضي نحو الأهداف المنشودة، إلا أن الملاحظ أن هناك من لم يرق له هذا الإنجاز الكبير الذي حققته اليمن بانتقالها من بين الدول ذات التنمية المتدنية إلى قائمة الدول ذات التنمية المتوسطة لتتوازى في حراكها الإنمائي مع 13 دولة عربية كانت وإلى وقت قريب تسبق اليمن بدرجات متفاوتة في التصنيف الدولي.
وكما هو دأب صحافة المعارضة ومواقعها الالكترونية بل وأحزابها فقد سعت إلى تجاهل هذا الاستحقاق الذي أحرزته اليمن كنتاج طبيعي للأداء التنموي والاقتصادي المتميز الذي لم يكن له أن ينجح بهذا المستوى الرفيع دون ذلك الاهتمام والرعاية التي أولتها قيادتنا السياسية ممثلة بفخامة الرئيس علي عبدالله صالح لمسيرة البناء والإصلاح والذي يعود له الفضل الأول في إرساء الدعائم القوية والمتينة للخطوات الجسورة التي قطعتها اليمن على طريق الإصلاح الاقتصادي والنهوض الإنمائي والتي انطلقت من رؤية وطنية راعت في بعدها ظروف مجتمعنا وفي المقدمة منه محدودو الدخل وعدم تأثرهم بانعكاسات تلك الإصلاحات التي كان لا بد من اتخاذها لتجنيب الاقتصاد الوطني السقوط في حافة الانهيار والنأي به عن المصير الذي حل بالعديد من اقتصاديات الدول النامية والفقيرة التي وجدت نفسها مع مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي أمام طوفان من الرأسمالية العولمية المتوحشة لم تستعد له ولم يكن بوسعها أو بمقدورها أن تصد رياحه العاتية ومواجهة تحدياته المؤرقة التي فُرضت عليها وعلى غيرها.
ولعل الكثير ما زال يتذكر أنه وقبل 12 عاماً وبالتحديد في مطلع عام 1995م كان الرئيس علي عبدالله صالح قد وجه الحكومة بوضع خارطة طريق تمكن اليمن من الخروج من عنق الزجاجة وتحمي اقتصادها من الانتكاسة المدمرة خاصة وقد تلقى هذا الاقتصاد العديد من الضربات الموجعة بفعل الأوضاع السياسية المأزومة التي مرت بها اليمن عام 1993م والتي أدت احتقاناتها إلى حرب صيف 1994م فضلاً عن التأثيرات الجسيمة الناتجة عن التطورات الدولية التي أعقبت انهيار المنظومة الاشتراكية والتي فرضت واقعاً جديداً على الاقتصاد العالمي الذي نحن جزء منه.
وبلا شك فإن الذين عاصروا تلك الفترة يدركون جيداً حجم المواجهة بين اليمن وصندوق النقد الدولي والتي وصلت درجة الصدام بسبب إصرار رئيس الجمهورية على عدم الالتزام بأية روشتة للاصلاح الاقتصادي تأتي متعارضة مع البعد الاجتماعي وحماية محدودي الدخل، بل إن من عاصروا هذه الفترة العصيبة هم من لا يزالون يتذكرون أنه وفي الوقت الذي كانت فيه القيادة السياسية تعمل وبأقصى جهدها من أجل وقف الانهيارات المتكررة لأسعار العملة الوطنية كان هناك بعض القوى السياسية والحزبية من يسخّر كل طاقاته في سبيل إعاقة خطوات برنامج الإصلاح وزرع الأشواك في طريقه رغم إدراكهم للظروف الصعبة التي كان يمر بها الوطن وهي التعقيدات كانت تقتضي أن يعمل الجميع يداً بيد لإخراج البلاد من تلك الوضعية التي لم يكن بوسع الوطن تحمل أعباء فاتورتها باهظة الثمن.
إلا أن تلك القوى السياسية لم تعِ مع الأسف مسئولياتها كما هو شأنها الآن حين عمدت إلى إثارة الزوابع والتحريض على الاعتصامات والتظاهرات التي تبعث برسائل خاطئة للاستثمارات الخارجية وتخويفها من التوجه إلى اليمن وكأن البعض هو من يحن إلى إعادة تكرار سيناريو الأزمات التي عاشتها اليمن عامي 1993 و1994م في هذه المرحلة التي يتهيأ فيها الوطن لانطلاقة اقتصادية وإنمائية تفتح المجال أمامه لانتقالة عصرية تعود بثمارها على المواطنين خصوصاً بعد النتائج المثمرة التي خرج بها مؤتمر المانحين في لندن ومؤتمر فرص الاستثمار بصنعاء والآفاق الرحبة التي بدت مؤشراتها تلوح في الأفق عبر التدفقات الاستثمارية والمشاريع الاستراتيجية التي تشاد مداميكها في عدد من محافظات الجمهورية وفي مقدمتها محافظة عدن التي تعيش هذه الأيام ورشة عمل كبرى وتتطور ساعة بعد ساعة.
وبالتأكيد فإن تصنيف اليمن من قبل الأمم المتحدة ضمن الدول ذات التنمية المتوسطة للمرة الأولى في تاريخها هو إنجاز يعيد الأمل إلى كل مواطن بما يتمتع به وطنه من قدرات ذاتية لصنع المستقبل المشرق الذي تتحقق فيه كل التطلعات في ميادين الرخاء والتقدم والتطور والازدهار.
ومثل هذا الإنجاز هو في حقيقة الأمر إنجاز لكل اليمنيين بما فيهم أولئك الذين لا يجيدون سوى بضاعة الكلام والتشكيك في كل نجاح تحققه بلادهم دون استشعار منهم أن قضية التنمية والبناء أعمق وأكبر من إطلاق المزايدات أو ذرف دموع التماسيح، وأن النهوض بالوطن يتجاوز بكثير حدود الربح والخسارة وترديد الشعارات الباطلة والكاذبة وإقامة التظاهرات والاعتصامات التي يراد من خلالها الحصول على مكسب أو منفعة ذاتية أو حزبية.
فالأوطان لا تبنى بالاعتصامات والاحتجاجات وإنما بالعمل والإنتاج والإيثار والبذل ونكران الذات.
ومن يفكرون بغير ذلك مهما تظاهروا في تقمصهم بجلباب الوطنية فإن ما يهمهم هو ما يجنونه من المصالح لأنفسهم ولذلك فإن نظرتهم للوطن لا تختلف عن نظرة من يرقبون حركة السحب دون اكتراث منهم من أين جاءت تلك السحب وإلى أين ستسير وعلى أي أرض ستمطر.
