الاصلاحات الدستورية التي حفل بها العهد الجديد خلال العشريتين الاخيرتين رسّخت الثقافة الاصلاحية المنتصرة لعلوية الدستور والضامنة لتكريس النظام الجمهوري والحامية لمبادئه وقيمه.
ان قرار رئيس الدولة بعث المجلس الدستوري قبل عشرين عاما، وبعد أسابيع قليلة من التغيير المبارك، مثل رغبة ملحة في تعديل سيّد القوانين وتخليصه من الشوائب والتجاوزات التي تعتدي على مبادئ ومرتكزات النظام الجمهوري باقرار الرئاسة مدى الحياة والخلافة الآلية التي تلغي حق الشعب في اختيار رئيسه وممارسة السلطة بتفويضمنه وباسمه وتحرم المواطن من أوكد مقومات مواطنته.
إن احداث المجلس الدستوري كهيئة عليا تراقب دستورية القوانين يعدّ ضمانة مسبقة لعلوية الدستور ولنجاعة القانين الاصلاحية التي جاء بها التغيير والنفس الديمقراطي الذي بشّر به بيان السابع من نوفمبر، وانبنى عليه المشروع المجتمعي والحضاري الذي اعلن عنه الرئيس بن علي.
ان أحداث المجلس الدستوري وتوسيع تركيبته ليشمل شخصيات مشهود لها بالكفاءة والاستقلالية واضافة الى تداركه لسهو كبير تضمنه دستور 1959 الذي اعتبره رجال القانون و السياسة وثيقة تقدمية، فإنه يسّر على اعضائه الاجتهاد واصدار الاحكام التي شكلت فقه قضاء غزيرا وأساسا في مجال الحقوق والحريات الاساسية التي تشكل أسس تقدّم البلدان والمجتمعات في هذا العصر.
ولعلّ هذه القناعات التي التزم بها الرئيس بن علي منذ أيام التغيير الاولى كانت المحرّك الاساسي لاقرار مقاربة شمولية لحقوق الانسان والحريات العامة لم ترتكز فقط على ضمان الحقوق السياسية، التي عادة ما تتصدّر الواجهة الاعلامية، بل تعدتها الى ضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وخلق ترابط قوي بينها وهو ما مثّل الارضية الخصبة للرفاه الاجتماعي والاستقرار السياسي وتطوّرات مؤشرات التنمية بشكل متسارع، وهو ما اعترفت به الهياكل الدولية والاقليمية وجعلها تنظر الى التجربة التونسية بعين الاكبار والتنويه.
ان الايمان القوي بحقوق الانسان والحريات العامة والحرص على تكريسها في الواقع المعيش دفع برئيس الجمهورية الى تثبيتها في نص الدستور قبل خمس سنوات، وهو ما يعدّ استباقا تونسيا في محيطها يرسخ دولة القانون والمؤسسات التي تضمن فيها حقوق الانسان والحريات العامة.
