يثور الجدل بين أطراف العملية الديمقراطية في دول عديدة بأن تلك النظريات أو التطبيقات، وهذه التشريعات أو الممارسات ليست هي الديمقراطية، وأن ذلك كله خداع للنفس أو خداع للناس والتفاف عليها، إما بتدخلات أجنبية سافرة في رسم ملامحها، أو بتغييب لأهدافها أو بتقييد لوسائلها، أو بتطبيق شكلي يفرغها من مضمونها، أو بتزييف لإرادة شعبها.
كما يبدو أننا لم نتفق بعد شعوبا ومفكرين وحكومات في هذا العالم على مفهوم محدد للديمقراطية، وهل هي وسيلة أو غاية، وهل هي نظرية أم آلية، وهل لها مرجعية أم هي المرجعية ، مما جعلها ثوبا فضفاضا يتيح لكل طرف أن يدعي أنه المدافع عنها أو المحقق لها ويتهم خصمه أنه المعادى لها..
ولأن التعريفات متعددة، والقوانين الساعية إلى تطبيقها مختلفة حتى بين النظم الديمقراطية في العالم ، فليس غريبا أن يثور الجدل بين الأطراف، كل حسب مرجعيته وحسب رؤيته، وبالتالي أصبح لدينا العديد من التجارب التي تدعي الديمقراطية كل على طريقته.
لكن ومع ذلك كله، فإنه لا يكاد يكون هناك خلاف كبير بين الجميع على أن مضمونها هو في تصور سهل هو «أن يكون الشعب هو مصدر السلطات فعلا لا قولا»، وهو الذي يحكم نفسه بنفسه لنفسه مباشرة أو من خلال نوابه، بالشكل الذي تتفق عليه قواه الوطنية المختلفة، بإرادة حرة تتوفر لها الضمانات الحقيقية لا الشكلية، وفقا لهويته الثقافية وواقعه الاجتماعي وأهدافه الوطنية.
ومن هنا نتج اختلاف المفاهيم الديمقراطية في العالم باختلاف الخصوصيات والقيم الثقافية، والمرجعيات الأخلاقية، كما نتجت التطبيقات المتعددة من تعدد طبيعة التوازنات الطبقية، والعلاقات الاقتصادية والواقع الاجتماعي لكل شعب من الشعوب بما أنتج عشرات من قوانين الانتخاب، وعشرات الدساتير التي تحدد شكل مؤسسات الحكم، وطريقة انتقال السلطة التنفيذية، ومدى سلطات الحاكم ومدى مسؤولياته في المقابل .
وأكثر من عشرات الأشكال من القوانين المنظمة لصلاحيات (السلطة التشريعية) في الرقابة على (السلطة التنفيذية) وتشريع القوانين التي تنظم علاقات قوى المجتمع، أو المحددة لضمانات استقلال ونزاهة (السلطة القضائية ) وأكثر منها تلك المطلقة أو المقيدة لحرية الصحافة أو لما يسمى (السلطة الرابعة )، بينما هي في الواقع قوة تأثير في الرأي وليست سلطة عليه كباقي السلطات الثلاث الأخرى.
وفى العالم العربي، تختلف الدول في البعد أو القرب من الديمقراطية كما عرفناها أو كما نريدها كشعوب، وفى القبول بها كآلية أو كمرجعية، أو في الرفض لها والاستعاضة عنها بنظم أخرى تتوافق مع قيمها الثقافية أو تركيباتها الاجتماعية لتحقيق نفس الأهداف، أو بالوقوع تحت نظم استبدادية لا تحترم الشورى ولا الديمقراطية ولا تأبه بالإرادة الشعبية وتقبض على السلطة بالقوانين العسكرية والأمنية، وليس بالوسائل الدستورية والسياسية.
في النهاية.. تبقى للديمقراطية أشكالها التي تدل عليها من احترام حق الوصول للسلطة بإرادة الناس وفقا للآليات الديمقراطية، وحرية تداول السلطة وفقا للقواعد الدستورية، وتحديد الفصل مع تحقيق التوازن بين السلطات الثلاث ، مع إعلاء الإرادة الشعبية بكل وسائل ومؤسسات ونقابات وجمعيات المجتمع على كل السلطات،وكفالة حرية التعبير مع مسؤولية هذا التعبير عن كل ما يضير الفرد أو المجتمع.
وأهم عنصر في ذلك كله هو وضع التشريعات والقواعد والآليات والضمانات لإجراء انتخابات أو استفتاءات نزيهة بآليات محايدة بمشاركة كل القوى السياسية أيا كانت مرجعياتها الفكرية. وذلك بوضع قانون للانتخابات عادل ومتوازن ومتوافق عليه لا يستثني أحدا في ممارسة حقوقه السياسية سواء بالترشيح دون شروط تعجيزية أو بالتصويت دون ترهيب بدني أو ترغيب مالي.
في اختيار نائبه أو حاكمه على كل المستويات بحرية كاملة وتحت إشراف كامل للسلطة القضائية بسيادة واستقلال كامل بما يكشف بشفافية عن الإرادة الشعبية الحقيقية. وإذا كان صحيحا أن لا ديمقراطية بلا حرية، غير أن الحرية وحدها لا تشكل دليلا على الديمقراطية.. الحقيقية!